لو قلت: رأيتُ أسدًا يخطب، أو رأيت أسدًا يهز المنبر. فحينئذٍ نقول: هذا أراد به الخطيب الشجاع.
فحينئذٍ نقول: هذا مجاز لوجود القرينة، أما إذا أطلقه عن القرينة، فحينئذٍ عند البيانيين كلمة واحدة: لا يجوز أن يُحمل على مجازه فيُحمل على الحقيقة.
رأيت أسدًا يعني: الحيوان المفترس.
عند الأصوليين -وليس كل الأصوليين عند بعضه والمصنف هنا رجّح هذا القول: أنه يجوز إطلاق اللفظ وإرادة المعنى الحقيقي والمجاز في آن واحد، فتقول: رأيت أسدًا. وتعني به الرجل الشجاع والحيوان المفترس؛ بناءً على أنه لا يُشترط استعمال اللفظ في مجازه القرينة.
وسيذكر بعض ممن قال بأنه محال أن يُستعمل اللفظ في مجازه وحقيقته، بناء على أنه يُشترط القرينة.
وأما ما ذكره المصنف فهو على هذا الفصل.
(وَيَصِحُّ إِطْلَاقُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ) لكن قيَّد المجاز بكونه راجحًا.
لأن المجاز قد يكون راجحًا .. وكذلك الحقيقة قد تكون راجحة وقد تكون مرجوحة، ومر أن القسمة رباعية.
قال: (عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ الرَّاجِحِ مَعًا) .
(مَعًا) هذا عائد على الحقيقة والمجاز.
يعني: الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح يُحمل على المجاز الراجح، والحقيقة الراجحة مع المجاز المرجوح لو استُعملا في تركيبٍ واحد حُمل على الحقيقة الراجحة.
ومر معنا الذي قال: والله لا أشرب من هذا النهر وكرع منه .. إلى آخره.
قال: {وَيَكُونُ إطْلاقُهُ عَلَيْهِمَا مَعًا مَجَازًا} .
ولو أُريد به المعنى الحقيقي يكون مجازًا.
لماذا يكون مجازًا؟ لأن الأصل في استعمال اللفظ أن يُستعمل في معناه الحقيقي فحسب، ولا يستعمل مرادًا به المعنى الحقيقي والمعنى المجازي.
فكأنه يقول لك: المراتب ثلاث:
أن يستعمل اللفظ في معناه الحقيقي فحسب، هذا هو الأصل فيه.
المرتبة الثانية: أن يستعمل في مجازه.
ولك أن تُدخل معه وتجعله مرتبة ثالثة: أن يُستعمل في الحقيقة والمجاز معًا.
الثاني والثالث هذا فرع، حينئذٍ استُعمل اللفظ في غير ما وضع له؛ لأنه وضع وأريد به المعنى الحقيقي فحسب، فإذا استُعمل مرادًا به المعنى الحقيقي والمجازي معًا، أو المجازي فقط حينئذٍ استُعمل اللفظ في غير ما وضع له فيكون مجازًا.
هذا وجه قوله: {وَيَكُونُ إطْلاقُهُ مَعًا} يعني: اللفظ {عَلَيْهِمَا} على المعنى الحقيقي والمجازي {مَجَازًا} .
{فَيُحْمَلُ عَلَيْهِمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الأَقْوَالِ وَالأَحْكَامِ} السابقة.
{إِلاَّ أَنَّ الْقَاضِي أَبَا بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيَّ قَالَ: اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ مُحَالٌ} .
لماذا؟ لأنه يرى -هو فيما يراه-: اشتراط القرينة، وإذا اشترطنا القرينة فهو كذلك .. محال أن يُستعمل اللفظ ويراد به المعنى الحقيقي والمجازي.
ويمكن تقول: رأيت أسدًا وتعني به الحيوان المفترس والرجل الشجاع.
قال: {لأَنَّ الْحَقِيقَةَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ، وَالْمَجَازُ فِيمَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ، وَهُمَا مُتَنَاقِضَانِ} لا، ليسا متناقضان من كل وجه.