* مبدأ اللغات توقيف من الله.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أَمَّا بَعْدُ:
قال المصنف رحمه الله تعالى: (مَبْدَأُ اللُّغَاتِ) يعني: واضع اللغات، كذا يُعنوِن الأصوليون لهذه المسألة: من واضع اللغة؟ اختُلف في واضع اللغات.
قالوا: اللغات هنا جمع لغة، ومر معنا تعريفها، وهل الحكم خاص باللغة العربية أو أنه عام؟ الصواب أنه عام، كلام الأصوليين في اللغات من حيث هي، حينئذٍ يشمل: اللغة العربية ويشمل غيرها.
مبدأها أي: محل بدئها، من هو واضعها؟ اختلف فيه على مذاهب.
اختار المصنف هنا .. قدم المصنف أنها توقيف (مَبْدَأُ اللُّغَاتِ تَوْقِيفٌ) .
(مَبْدَأُ) هذا مبتدأ وهو مضاف و (اللُّغَاتِ) مضاف إليه، (تَوْقِيفٌ) هذا خبر.
(تَوْقِيفٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِإِلْهَامٍ, أَوْ وَحْيٍ أَوْ كَلاَمٍ) .
قوله: (تَوْقِيفٌ) أي: أن واضعها هو الله تعالى، ووقف عليها خلقه، وعبّر عن ذلك بالتوقيف لإدراكه به.
ثم كيفية إيصال تلك اللغة إلى الخلق من الباري جل وعلا إلى المخلوق: إما (بِإِلْهَامٍ) وهو ما يحرك القلب بعلم يطمئن به.
(أَوْ وَحْيٍ) بأن علَّمها بالوحي إلى الأنبياء، (أَوْ كَلاَمٍ) يعني خلق أصوات تدل على اللغات، وأسمعها لواحد أو جماعة.
قيل: أو بخلق علم ضروري في الصدور بصيغ مخصوصة لمعان فبين العقلاء الصيغ ومعانيها.
إذًا: هذا اختلاف تحت المذهب الأول، وهو أنها توقيف وأن الله تعالى هو الذي وضع اللغة العربية وغيرها من سائر اللغات، ثم كيفية الوصول إلى ذلك من الباري إلى الخلق قيل: بإلهام، وقيل بوحي، وقيل بكلام، وقيل بخلق علم ضروري في الصدور.
قال المحلي: والظاهر من هذه الاحتمالات أولُّها، لا يعني به ترتيب المصنف هنا وإنما ترتيب جمع الجوامع وهو: الوحي إلى نبي من أنبيائه؛ لأنه المعتاد في تعليم الله تعالى العباد، إنما يكون عن طريق وحي، ويدل على ذلك كذلك قوله تعالى: (( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ) ) [البقرة:31] حينئذٍ هي توقيف، ثم حصل ذلك بالوحي والتعليم مباشرة بين الله تعالى وبين نبي من أنبيائه، وهذا هو الظاهر والله أعلم، أما التوقيف هذا لا إشكال فيه لورود النص وجماهير أهل العلم على ذلك.
إذًا: (مَبْدَأُ اللُّغَاتِ تَوْقِيفٌ) وأن الواضع لها هو الباري جل وعلا، ثم اختُلف في هذا التوقيف، قيل: إما (بِإِلْهَامٍ, أَوْ وَحْيٍ أَوْ كَلاَمٍ) والثاني بالنسبة لكلام المصنف هو الظاهر والله أعلم.
قال: عِنْدَ أَبِي الْفَرَجِ وَالْمُوَفَّقِ وَالطُّوفِيِّ, وَابْنِ قَاضِي الْجَبَلِ وَالظَّاهِرِيَّةِ, وَالأَشْعَرِيَّةِ.
قَالَ فِي الْمُقْنِعِ: وَهُوَ الظَّاهِرُ عِنْدَنَا وهو مذهب الجمهور.
وَاللُّغَةُ الرَّبُّ لَهَا قَدْ وَضَعَا
تَوقِيفٌ اللُّغَاتُ عِنْدَ الأَكْثرِ
فحينئذٍ واضع اللغة هو الباري جل وعلا.