* حكم الحد الوضعي وأقسامه.
* حد العلة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أَمَّا بَعْدُ:
لما فرغ المصنف رحمه الله تعالى من أحكام خطاب التكليف وعبَّر عنه أيضًا بخطاب الشرع وبخطاب اللفظ، شرع في الكلام على أحكام خطاب الوضع، وحدِّه والفرق بينه وبين خطاب التكليف.
فقال المصنف: (فَصْلٌ) أي: هذا فصلٌ في بيان ما يتعلق بالنوع الثاني من نوعي الحكم الشرعي، سبق معنا أن الحكم الشرعي: هو خطاب الله المتعلق بفعل المكلَّف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، قلنا لا بد من زيادة: أو الوضع، من أجل أن يعم التعريف هنا .. الحكم شرعي بنوعيه: الحكم التكليفي، وهو منحصر في الاقتضاء والتخيير، قلنا التخيير هذا من باب التوسع، والنوع الثاني هو بالوضع، والآن الكلام فيه.
فقال: (خِطَابُ الْوَضْعِ: خَبَرٌ اُسْتُفِيدَ مِنْ نَصْبِ الشَّارِعِ عَلَمًا مُعَرِّفًا لِحُكْمِهِ) .
(خِطَابُ الْوَضْعِ) هنا عبّر بخطاب الوضع، وإن كان كثير من الأصوليين يقولون: الحكم الوضعي؛ لأن جعل الخطاب مورد القسمة فيما سبق؛ لأنه قسَّم بعدما عرّف الحكم الشرعي قال: (ثُمَّ) ، يعني: بعد التعريف السابق.
(إِنْ وَرَدَ بِطَلَبِ فِعْلٍ مَعَ جَزْمٍ) .. (ثُمَّ إِنْ وَرَدَ) قلنا الضمير هنا يعود إلى الخطاب وليس هو الحكم.
حينئذٍ جعل مورد القسمة هو عين الخطاب.
(ثُمَّ إنْ وَرَدَ بِطَلَبِ فِعْلٍ مَعَ جَزْمٍ) إلى أن قال: (وَإِلاَّ فَوَضْعِيٌّ) .
{أَيْ وَإِنْ لَمْ يَرِدْ خِطَابُ الشَّرْعِ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الصِّيَغِ الْخَمْسَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ} فهو وضعي، أي: يسمى خطاب الوضع؛ لأن متعلقه بوضع من الباري جل وعلا.
إذًا خطاب الوضع ولم يقل: حكم الوضع. بناء على أن القسمة إنما هي للخطاب لا للحكم.
(خِطَابُ الْوَضْعِ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ خَبَرٌ اُسْتُفِيدَ مِنْ نَصْبِ الشَّارِعِ) خبرٌ يعني: ليس بإنشاء؛ إذ الكلام إما خبرٌ وإما إنشاء.
فما كان لا يحتمل الصدق والكذب لذاته فهو طلب وإنشاء، وما كان يحتمل الكذب والصدق لذاته فهو خبر، ومعلوم من الصيغ الأربعة السابقة الداخلة تحت عنوان الاقتضاء: أن الاقتضاء نوعان: اقتضاء فعل، واقتضاء ترك.
إذًا: هو نوع من أنواع الإنشاء، وليس هو كل الإنشاء.
حينئذٍ يكون أول ما يميَّز به بين النوعين: الحكم الوضعي أو الخطاب الوضعي، ومع خطاب الشرع أو خطاب التكليف هو: أن خطاب التكليف اقتضاء يعني: طلب، يعني: بإنشاء.
وأما خطاب الوضع فهو خبرن يعني: مقابل له.
إذًا أول ما ينوع به بين القسمين أن يقال: خطاب الوضع من قبيل الأخبار، وخطاب التكليف من قبيل الاقتضاء والطلب، وهو نوع من الإنشاء.
ولذلك قال: {خَبَرٌ أَيْ لَيْسَ بِإِنْشَاءٍ} يعني: ليس بطلب.
{بِخِلافِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ} فإنه طلبٌ واقتضاء.