فهرس الكتاب

الصفحة 475 من 1890

(اُسْتُفِيدَ) هذا الخبر (مِنْ نَصْبِ الشَّارِعِ) يقال: نصب الشيء أقامه. نصب الشارع أي: إقامته، والمراد بالشارع هنا: المشرِّع وهو الله عز وجل وهو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

(مِنْ نَصْبِ الشَّارِعِ عَلَمًا) أي: دليلًا، وهذا منصوب بقوله: (نَصْبِ) ، النصب هنا مصدر، والمصدر إذا أضيف إلى فاعله إن كان يتعدى إلى مفعول نصبه، وهنا نصب الشارع دليلًا.

إذًا: (نَصْبِ الشَّارِعِ) أُضيف المصدر إلى فاعله، و (عَلَمًا) هذا مفعول له.

(عَلَمًا) أي: علامة (مُعَرِّفًا لِحُكْمِهِ) أي: لحكمه التكليفي.

(لِحُكْمِهِ) المراد به هنا: الحكم التكليفي.

فالشرع وضع الخطاب بالأسباب والشروط والموانع مثلًا بمعنى أنه يقول: إذا زالت الشمس فقد وضعتُ وجوب الصلاة، والوضع هنا بمعنى الإخبار، وإذا تم النصاب والحول فقد وضعت وجوب الزكاة، وإذا حصل الحيض فقد وضعت سقوط الصلاة والصوم، وهكذا.

خطاب الوضع على ما عرّفه المصنف: (خَبَرٌ اُسْتُفِيدَ مِنْ نَصْبِ الشَّارِعِ) يعني: من إقامة الشارع .. هو الذي أقامه، تأخذ من هذا: أن الحكم الوضعي حكمٌ شرعي بأنواعه الأربعة التي سيذكرها المصنف أو ما زيد عليها.

حينئذٍ قوله: (مِنْ نَصْبِ الشَّارِعِ) أي: من إقامة الشارع (عَلَمًا) أي: دليلًا.

(مُعَرِّفًا لِحُكْمِهِ) أي: دالًا على حكمه التكليفي، نأخذ من هذاك أن الحكم الوضعي إنما هو من جهة الشرع.

فخطاب الوضع: هو الخطاب المتعلق بكون الشيء سببًا أو شرطًا أو مانعًا، أو كون الفعل صحيحًا أو فاسدًا، أو رخصة أو عزيمة، أو أداءً أو إعادة أو قضاء؛ بناء على حصر أنواع الحكم الوضعي في عشرة، وبعضهم جعلها أربعة كالمصنف هنا، وبعضهم جعلها سبعة كالشاطبي كما سيأتي.

فمعناه: أن الحكم الوضعي هو الوصف المتعلق بالحكم التكليفي، ولذا عبَّر عنه المصنف بما مر، (مُعَرِّفًا لِحُكْمِهِ) أي: لحكمه التكليفي، فجعل الحكم الوضعي علامة على وجود الحكم التكليفي، ولذلك سبق معنا: أنه لا يتصور وجود حكم تكليفي دون حكم وضعي؛ لأن الشارع جعل الحكم الوضعي دليلًا وعلامة على وجود الحكم التكليفي.

إذًا: لا يمكن أن يوجد حكم تكليفي دون حكم وضعي، ومن هنا جاءت العلاقة: العموم والخصوص المطلق.

(اُسْتُفِيدَ مِنْ نَصْبِ الشَّارِعِ عَلَمًا مُعَرِّفًا لِحُكْمِهِ) .

قال هنا: {وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ خِطَابِهِ فِي كُلِّ حَالٍ وَفِي كُلِّ وَاقِعَةٍ، بَعْدَ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ} .

يعني: الحكمة من جعل هذه الأحكام الوضعية، لو كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لأمكن -عقلًا وإن لم يقع- لأمكن أنه كلما حل وقتٌ لصلاة نزل جبريل فقال: وجبت الظهر، ثم نزل جبريل فقال: وجبت العصر .. وهكذا.

لكن بعد انقطاع الوحي هل يمكن ذلك؟ الجواب: لا، فتيسيرًا ورحمة بالأمة أن جعل علامة على إيجاب الصلوات هذه العلامة الثابتة المستقرة في زمن الوحي، ولا تتخلف كذلك بعد زمن الوحي، فحصل تمام الشرع، وبقي الشرع كما هو دون أي اختلال، وهذه الحكمة من جعل هذه الأحكام الوضعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت