* تعريف العقل.
* تعريف الحد وأقسامه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أَمَّا بَعْدُ:
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فَصْلٌ: الْحَدُّ لُغَةً الْمَنْعُ) .
عقد هذا الفصل لبيان ما يتعلق بالحد، وإن كان الحد هذا من مباحث المناطقة، ويذكرون له باب المعرفات لأنه هو مقاصد التصورات، مبادئ التصورات: الكليات الخمس، ومقاصد التصورات هي: المعرِّفات.
وذكر الحد هنا باعتبار مقابلته بالدليل؛ لأنه ذكر الدليل وعرفنا أن المراد به: ما يوصل إلى مطلوب خبري وهو التصديق، فحينئذٍ افتقر إلى أن يعلم الطالب في أصول الفقه ما يوصل إلى التصورات، إذًا: لما ذكر الدليل فيما سبق وهو يتعلق بالتصديقات ناسب أن يذكر الحد وهو يتعلق بالتصورات، فكأنه قال: ما يوصل إلى التصديق يسمى دليلًا، وما يوصل إلى التصور يسمى حدًا.
قال: (الْحَدُّ لُغَةً) أَيْ: فِي لغة العرب (الْمَنْعُ) {وَمِنْهُ سُمِّيَ الْبَوَّابُ حَدَّادًا, لأَنَّهُ يَمْنَعُ مَنْ يَدْخُلُ الدَّارَ، وَالْحُدُودُ حُدُودًا, لأنَّهَا تَمْنَعُ مِنْ الْعَوْدِ إلَى الْمَعْصِيَةِ, وَإِحْدَادُ الْمَرْأَةِ فِي عِدَّتِهَا, لأَنَّهَا تُمْنَعُ مِنْ الطِّيبِ وَالزِّينَةِ} وسمي الحديد حديدًا لما فيه من المنع لامتناع حامله ولابسه.
{وَسُمِّيَ التَّعْرِيفُ حَدًّا لِمَنْعِهِ الدَّاخِلَ مِنْ الْخُرُوجِ} يعني: الأفراد الداخلة تحت الحد {وَالْخَارِجَ} يعني: غير أفراد المعرَّف {مِنْ الدُّخُولِ} .
إذًا الحد في اللغة: هو المنع، وسائر المشتقات تعود إلى هذا المعنى.
وأما في الاصطلاح قال: (وَاصْطِلاَحًا) أي: في اصطلاح أرباب الاصطلاح، والبحث إنما هو في شأن المناطقة، هذا الأصل، لكن ثم فرقًا بين الحد عند المناطقة والحد عند الأصوليين، فرق بينهما وإن اشتركا في المباحث.
الحد عند المناطقة: ما تركب من ذاتيات الشيء أي: جنسه وفصله، جنس هذا يتعلق بالذات، وكذلك الفصل، كالحيوان الناطق حدًا للإنسان، ما هو الإنسان؟ هو الحيوان الناطق، حيوان جنس، والناطق هذا فصل، هذا يسمى حدًا، لماذا؟ لأنه تركب من ذاتيات الماهية.
وأما التعريف بالمركب من الذاتي والعرضي يعني: إذا اجتمعا، كتعريف الإنسان بالحيوان الكاتب، ما هو الإنسان؟ قال: الحيوان الكاتب.
هنا اشترك أمران: الحيوان هذا ذاتي والكاتب هذا عرضي، وهذا لا يسمى حدًا عند المناطقة -المشهور عندهم-، أو بالعرضي فقط كتعريف الإنسان بالكاتب بالفعل، وهذا يسمى رسمًا لا حدًا، والمراد الحد إذا أطلق: الحد التام .. إذا أطلق الحد عند المناطقة فالمراد به الحد التام.
والحد عند الأصوليين: ما يميز الشيء عما عداه، هذا أطلق، بمعنى أنه سواء كان بالذاتيات أو غيرها، فكلما حصل التمييز بالشيء عن غيره سمي حدًا عند الأصوليين.
إذًا: الحد عند الأصوليين أعم من الحد عند المناطقة، والحد عند المناطقة أخص من الحد عند الأصوليين؛ لاختصاص الحد عند المناطقة بالذاتيات، وعمومه عند الأصوليين.