* اجتماع الأمر , والنهي في الجنس , وفي النوع , وفي الشخص.
* حد المندوب , واطلاقاته , وهل يلزم بالشروع فيه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أَمَّا بَعْدُ:
فلا زال الحديث في الفصل الذي عقده المصنف رحمه الله تعالى للحكم الثاني الشرعي التكليفي وهو الحرام.
قال: (فَصْلٌ: الْحَرَامُ ضِدُّ الْوَاجِبِ) ثم عرّفه في الاصطلاح، ثم بيّن أسماءه، ثم ذكر مسألة مهمة وهي: جواز النهي عن واحد لا بعينه وأنه فيه يجري مجرى الواجب المخيّر، وله فعل أحدهما.
ثم قال: (وَلَوْ اشْتَبَهَ مُحَرَّمٌ بِمُبَاحٍ وَجَبَ الْكَفُّ. وَلاَ يَحْرُمُ الْمُبَاحُ) .
هذه المسألة يترجم لها الأصوليون بـ: ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب، ثم قاعدتان متقابلتان: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه حينئذٍ تركه يعتبر واجبًا.
وهنا مثلًا اشتبه محرمٌ بمباح: ميتة بمذكاة، هل يمكن أن يترك المحرم الذي هو أكل الميتة دون أن يجتنب المذكاة؟ الجواب: لا، وحينئذٍ يجب عليه ترك الأكل من الاثنتين.
لأنه لا يتم ترك الحرام الذي هو أكل الميتة إلا بترك الجميع، ولذلك قال المصنف رحمه الله: (وَجَبَ الْكَفُّ) يعني الكف عن أكل الاثنتين.
إلا بترك الجميع فترك الجميع واجب؛ لأن ترك المحرم واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أما المباح فهو على أصله، فلا يوصف بكونه محرمًا، يعني: لا ينقلب إلى حرام، إلا إن وصف بأنه حرام من جهة العرَض فلا إشكال فيه، اختلاف لفظي بين النوعين.
وحينئذٍ يوصف بكونه حرامًا لكنه من جهة العرض لا من جهة الأصل، وإلا ما دام أنه ثبت له حكم الإباحة شرعًا فلا ينقلب إلى الحرام إلا بنص.
قال رحمه الله تعالى: (وَفِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ) يعني: يجتمع في الشخص الواحد الثواب والعقاب من جهتين لا من جهة واحدة.
قال: {كَنَوْعِ الآدَمِيِّ} وهو شخص، فيجتمع الثواب والعقاب في حق شخص واحد.
{وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ قَاطِبَةً} وفيه رد على المعتزلة.
{لأَنَّهُ يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، فَتُكْتَبُ لَهُ الْحَسَنَاتُ، وَأَمَّا السَّيِّئَاتُ: فَإِنْ تَابَ مِنْهَا غُفِرَتْ} إن قُبلت منه التوبة.
{وَكَذَا إِنْ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِلاَّ فَهُوَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ} .
يعني: مات قبل أن يتوب، فحينئذٍ أمره إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه، وإن شاء آخذه، ومع ذلك نقول: اجتمع فيه الأمران: إيمان وكفر، يعني: كفرٌ دون كفر، وكذلك إيمان وفسق، ولذلك نقول: هُوَ مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ.
وَخَالَفَ الْمُعْتَزِلَةُ، فَقَالُوا بِخُلُودِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فِي النَّارِ، وَلَوْ عَمِلُوا حَسَنَاتٍ كَثِيرَةً.
وَهَذَا يُصَادِمُ الْقُرْآنَ وَالأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ المتواترة الْوَارِدَةَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- {فِي الشَّفَاعَةِ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَخُرُوجِهِمْ مِنْ النَّارِ وَدُخُولِهِمْ الْجَنَّةَ} .