* الحسن , والقبح العقليين , والشرعيين.
* حكم الأعيان قبل ورود الشرع.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أَمَّا بَعْدُ:
قال المصنف رحمه الله تعالى: (الأَحْكَامُ) {أَيْ: هَذَا فَصْلٌ} سيذكر فيه المصنف {نُبْذَةً مِنْ مَعَانِي الأَحْكَامِ} لأن تصور الأحكام كما مر أنه مما يستمد منه هذا الفن، يستمد هذا الفن من ثلاثة فنون:
الأول: علم اللغة.
الثاني: علم أصول الدين.
الثالث: تصور الأحكام.
تصور الأحكام في الجملة المراد بها ما يتعلق بمعنى الإيجاب ومعنى الندب، ومعنى التحريم، ومعنى الكراهة، ومعنى الإباحة.
قال: {وَحَيْثُ انْتَهَى الْكَلاَمُ عَلَى مَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ هَذَا الْعِلْمُ مِنْ اللُّغَةِ شَرَعَ فِي ذِكْرِ مَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ مِنْ الأَحْكَامِ} والبحث هنا في أربعة أمور.
{إِذْ لاَ بُدَّ مِنْ حُكْمٍ, وَحَاكِمٍ, وَمَحْكُومٍ فِيهِ, وَمَحْكُومٍ عَلَيْهِ} .
لا بد من تصور ما هو الحكم، وحاكم كما سينص المصنف: لا حاكم إلا الله، ومحكوم فيه، ومحكوم عليه.
والآن سيتحدث ابتداء فيما يتعلق بالحكم.
قال رحمه الله تعالى: (الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ بِمَعْنَى مُلاَءَمَةِ الطَّبْعِ وَمُنَافَرَتِهِ، أَوْ صِفَةِ كَمَالٍ وَنَقْصٍ عَقْلِيٌّ) .
بدأ بما يتعلق بالحسن والقبح، وهي مسألة كلامية مشهورة، النزاع واقع في كتب الأصول بين المعتزلة وبين الأشاعرة، وما من كتاب في الأصول إلا وتجد هذه المسألة مستعارة من أصول الدين؛ لأن مبناها على تحكيم العقل عند المعتزلة، ومعلوم أن الحاكم إنما هو الله عز وجل دون غيره.
الحسن والقبح له ثلاث إطلاقات، يعني: له ثلاث اعتبارات: منه ما هو محل وفاق، ومنه ما هو محل نزاع.
المصنف رحمه الله تعالى أراد أن يبين محل النزاع .. أن يحرر محل النزاع مع المعتزلة.
(الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ) {يُطْلَقُ بِثَلاَثَةِ اعْتِبَارَاتٍ} يعني: اصطلاحات أو معانٍ.
(بِمَعْنَى مُلاَئَمَةِ الطَّبْعِ وَمُنَافَرَتِهِ) هذا المعنى الأول، يقال: لائم بين القوم ملائمة .. أصلح وجمع، وإذا اتفق الشيئان فقد التئما، ومنه قولهم: هذا طعامٌ لا يلائمني.
والنفر هو التفرق، نفرت الدابة نفورًا .. جزِعت وتباعدت، (مُلاَئَمَةِ الطَّبْعِ وَمُنَافَرَتِهِ) .
والطبع المراد به: السجية التي جُبل عليها الإنسان، والمراد الطبيعة الإنسانية المائلة إلى جلب المنافع ودفع المضار.
يعني: (الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ بِمَعْنَى مُلاَئَمَةِ الطَّبْعِ) يعني: ما يوافق الطبع، من ماذا؟ من المنافع، (وَمُنَافَرَتِهِ) يعني: ما ينافر الطبع من المضار، هذا عقلي.
{كَقَوْلِنَا: إنْقَاذُ الْغَرِيقِ حَسَنٌ} هذا لا يختلف فيه عاقلان. إنقاذ الغريق حسن.
{وَاتِّهَامُ الْبَرِيءِ قَبِيحٌ} هذا عقلي، ولا خلاف فيه البتة.
(أَوْ) هذا النوع الثاني، يعني: يطلق الحسن والقبح (أَوْ صِفَةِ كَمَالٍ) يعني: {بِمَعْنَى صِفَةِ كَمَالٍ} أو صفة (أَوْ صِفَةِ نَقْصٍ) يعني: يراد به هذا وذاك.