إذًا ما سبق: (دَلَالَةُ الِاقْتِضَاءِ وَالْإِضْمَارِ عَامَّةٌ) بمعنى: أن المقتضى هو الذي يوصف بالعموم على الصحيح وليس المقتضي، وليس المراد:"ليس المقتضي"أنه لا يكون عامًا لا، قد يكون عامًا لكن بشيءٍ منفصل، وإنما بحثنا في المقتضى.
قال هنا: (وَمِثْلُ: لاَ آكُلُ، أَوْ إِنْ أَكَلْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ: يَعُمُّ مَفْعُولَاتِهِ، فَيُقْبَلُ تَخْصِيصُهُ) .
قال هنا: (مِثْلُ: لاَ آكُلُ) والله لا آكل. هذا يعم؛ لأنه نكرة في سياق النفي، ومر معنا أن النكرة في سياق النفي تعم.
وما يكون في معنى النفي كالاستفهام والشرط كذلك حكمه واحد.
ولذلك قال: (لاَ آكُلُ، أَوْ إِنْ أَكَلْتُ) يعني: جاء الفعل هنا في سياق النفي (لاَ آكُلُ) وجاء الفعل في سياق الشرط (إِنْ أَكَلْتُ) .
حينئذٍ يُعتبر هذا على الصحيح من صيغ العموم.
وجهه: أن كل فعلٍ هو نكرةٌ؛ لأن آكل هذه جملة، والجملة في قوة النكرة عند الجماهير، بل حكى بعضهم الإجماع .. الزجاجي كما يأتي، حكى الإجماع على أن الجمل هذه في قوة النكرات، بل في معنى النكرات. هذا وجهٌ.
وجهٌ آخر: أن يقال بأن آكل هذا فعلٌ، والفعل منسبكٌ من مصدرٍ وزمنٍ، والمصدر نكرة.
يعني: لا أكلَ يقع مني، حينئذٍ نقول: لا أكل يقع مني مثل: لا صلاة. يُحمل على العموم.
إذًا: لك وجهان في تقرير ما يكون هنا أو في سبب حمل اللفظ على العموم.
أولًا: قوله: لا آكل. آكل هذا فعل وفاعل .. آكل أنا فعل وفاعل، إذًا: هو جملة فعلية.
والجملة الفعلية في قوة النكرة، ولذلك القاعدة: أن الجمل إذا وقعت بعد نكرات فهي صفات، وإذا وقعت بعد معارف فهي أحوال. وهو كذلك.
قال هنا: لا آكل. إذًا هو جملة فعلية مركبة من فعل وفاعل والجملة نكرة، أو تقول: آكل. بقطع النظر عن الفاعل، فحينئذٍ يكون فعلًا مضارعا منسبكًا من مصدرٍ وزمن، والمصدر نكرة.
ولذلك يُقدَّر بالنكرة، ومن هنا نستدل بكثير من المسائل الآتية في الكتاب والسنة على النفي بالأفعال.
(( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ ) ) [النساء:48] .
لا يغفرُ، يغفر هذا جملة جاءت في سياق النفي تعم، ولا أدنى مغفرة تقع، على بابه.
(( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا ) ) [النساء:36] تُشْرِكُوا نقول: هذا نكرة في سياق النهي فتعم بناء على ما سبق.
فكل ما قيل في النكرة في سياق النفي، أو الشرط، أو النهي، أو الاستفهام. فالحكم فيه في النكرة وكذلك في الأفعال؛ لأن الأفعال إن نظرت إليها بأنها جملة فحينئذٍ الجمل نكرات، وإن نظرت إلى استقلال الفعل عن فاعله يعني: قطعت النظر عنه، حينئذٍ هو منسبك من مصدر والمصدر نكرة، والشأن واحد.
قال هنا: (وَمِثْلُ: لاَ آكُلُ) يعني اقتصر عليه ولم يتعرض للمفعول. إذًا: أفاد عمومًا في نفسه.
(أَوْ إِنْ أَكَلْتُ) يعني: سواء كان في سياق النفي كقوله: لا آكل، أو في سياق الشرط؛ لأنه مر معنا أن الشرط في معنى النفي. وهو مبنيٌ على أن النكرة في سياق الشرط تعم وهو كذلك، خلافًا لمن نازع في ذلك.
(لاَ آكُلُ، أَوْ إِنْ أَكَلْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ: يَعُمُّ مَفْعُولَاتِهِ) .
مَفْعُولَاتِهِ لأنه لم يذكر مفعولًا، هذه جهة عموم أخرى. يعني: العموم هنا قد يكون عمومًا في الأكل كثُر أم قل.