إذًا: الْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّهُ لا يَعُمُّ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْقُرْطُبِيِّ وَالرَّازِيِّ.
وَمَنْشَأُ الْخِلافِ: النَّفْيُ لِلأَفْرَادِ، فَيُقْبَلُ إرَادَةُ التَّخْصِيصِ بِبَعْضِ الْمَفَاعِيلِ بِهِ لِعُمُومِهِ أَوْ لِنَفْيِ الْمَاهِيَّةِ وَلا تَعَدُّدَ فِيهَا، فَلا عُمُومَ, وَالأَصَحُّ هُوَ الأَوَّلُ أن النفي للأفراد: لا آكل. يعني: أفراد المأكولات.
وأما الحقيقة الذهنية هذه شيءٌ واحد ووجودها وجودٌ ذهني ولا يقبل التعدد.
يعني: هل النفي لحقيقة الأكل أو باعتبار ما يتعلق به الأكل؟ لا شك أن المراد به الثاني وليس الأول.
حقيقة الأكل هذه شيءٌ في الذهن لا يقبل التعدد، فحينئذٍ لا يرد عليه أنه يقبل التخصيص أو لا يقبل التخصيص، بل لا يقبل التخصيص قطعًا؛ لأنه شيءٌ واحد كيف يخرج؟ فلا إخراج، وإنما نحمل اللفظ على أن المراد به الأفراد.
فحينئذٍ نقول: يقبل التخصيص.
إذًا: قال المصنف هناك: (وَمِثْلُ: لاَ آكُلُ، أَوْ إِنْ أَكَلْتُ) لماذا عدَّد المثالين؟ آكل، أكلت. كلٌ منهما متعدٍ، كلٌ منهما حُذف مفعوله.
ما الفرق بينهما؟ أن الأول في سياق النفي والثاني في سياق الشرط.
قال: (يَعُمُّ مَفْعُولَاتِهِ) لأنه حُذف من الأول والثاني.
فحينئذٍ (فَيُقْبَلُ تَخْصِيصُهُ) لو قال يَقبل أحسن يعني: هو يَقبل تخصيصه.
قال: (فَلَوْ نَوَى مُعَيَّنًا: قُبِلَ بَاطِنًا) هنا جاءت النية مخصِّصة، النية الصواب أنها تخصِّص.
(فَلَوْ نَوَى) يعني: مأكولًا معينًا قال: لا آكل، إن أكلتُ فعبدي حرٌ ونوى شيئًا معينًا: لا آكل عسلًا وجعله أكلًا، ولا بأس العسل يؤكل ويُشرب.
حينئذٍ نقول: لو نوى عسلًا أو نوى لحمًا، حينئذٍ نقول: بالنية قد خصَّص.
فيقبل باطنًا حتى لا يحنث بأكل غيره؛ بناء على عموم اللفظ فيقبل التخصيص ببعض مدلولاته.
(بَاطِنًا) بمعنى أنه لو كان عند القاضي ما يقبله. يعني: لو رتب عليه شيء: إن أكلت فزوجتي طالق مثلًا، وذهب للقاضي قال: أنا عنيت به شيء معين لا يقبل؛ لأن اللفظ عام فيحمل على عمومه.
لكن نحن نقول في مثل هذه: إذا نويت مخصِّصًا لا تذهب إلى القاضي، وإنما يستفتي في مثل هذه المسألة، حينئذٍ يكتفي بها.
{فَلَوْ نَوَى مَأْكُولًا مُعَيَّنًا: قُبِلَ بَاطِنًا عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ} وغيرهم.
{فَإِنْ ذَكَرَ الْمَفْعُولَ بِهِ نحو: لا أُكُلُ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا، أَوْ لا أَضْرِبُ عَبْدًا، فَلا خِلافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي عُمُومِهِ وَقَبُولِهِ التَّخْصِيصَ} .
العموم من حيث الأكل: لا آكل .. قل أو كثر، حينئذٍ لو أخذ شق تمرة صدق عليه، لو أخذ سلة كذلك صدق عليه، ويصدق على جميع أنواعه.
تمرًا أنواع، بأي نوعٍ؟ بأي نوعٍ. إذًا: عمومه في أنواع التمر وفي الأكل كذلك.
قال: {وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِقَوْلِهِ بَاطِنًا بِصِحَّةِ الاِسْتِثْنَاءِ فِيهِ، فَكَذَا تَخْصِيصُهُ} .
(فَلَوْ زَادَ لَحْمًا وَنَوَى مُعَيَّنًا، قُبِلَ مُطْلَقًا) .
(فَلَوْ زَادَ) {فَقَالَ: إِنْ أَكَلْتُ لَحْمًا} زاد على ما مضى (لَحْمًا وَنَوَى مُعَيَّنًا) اللحم هذا مثل: لا آكل تمرًا.