يعني: النية لها اعتبار في باب العام ولها اعتبارٌ في باب المطلق، كما أن العام يقبل التخصيص بالنية فتخصِّص العام بالنية، كذلك المطلق فلا فرق بينهما.
{بَلْ يَجْرِي فِي تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ بِالنِّيَّةِ. وَلِذَلِكَ لَمَّا قَالَ الْحَنَفِيَّةُ فِي لاَ أَكَلْتُ إِنَّهُ لاَ عُمُومَ فِيهِ، بَلْ مُطْلَقٌ، وَالتَّخْصِيصُ فَرْعُ الْعُمُومِ. اُعْتُرِضَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ يَصِيرُ بِالنِّيَّةِ تَقْيِيدًا، فَلَمْ يَمْنَعُوهُ} .
يعني: الخلاف لفظي مع الأحناف في مثل هذه الجملة؛ لأن التقييد عند الطرفين، لكن الجمهور على أنه تخصيص لأنه عام، وعند الأحناف تقييد لأنه مطلقٌ، والنتيجة واحدة .. الخلاف لفظي.
{اُعْتُرِضَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ يَصِيرُ بِالنِّيَّةِ تَقْيِيدًا، فَلَمْ يَمْنَعُوهُ. وَهَذِهِ هِيَ مَسْأَلَةُ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالنِّيَّةِ} وهي مهمة جدًا.
{وَلا أَكَلْتُ مِثْلَ قَوْلِهِ: إِنْ أَكَلْت، لأَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ تَعُمُّ كَالنَّفْيِ} .
قال رحمه الله تعالى: (وَنَفْيُ الْمُسَاوَاةِ لِلْعُمُومِ) .
يعني: (( لاَ يَسْتَوُونَ ) ) [التوبة:19] ، (( هَلْ يَسْتَوِيَانِ ) ) [هود:24] كل ما جاء في القرآن فيه نفي المساواة أفاد العموم.
(وَنَفْيُ الْمُسَاوَاةِ) في الكتاب والسنة يفيد العموم عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْغَزَالِيِّ وَالرَّازِيِّ وَالْبَيْضَاوِيِّ: لَيْسَ لِلْعُمُومِ, وَيَكْفِي النَّفْيُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ.
يعني: لا يعم وإنما المراد به شيءٌ واحد.
{قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: إِنَّ الْخِلاَفَ فِي الاسْتِدْلاَلِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ بِقَوْله تَعَالَى} يعني: من الأدلة قوله تعالى: { (( لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ) )فَلَوْ قُتِلَ بِهِ لَثَبَتَ اسْتِوَاؤُهُمَا} .
لأن قتل الشيء بالشيء -القصاص- لا بد من المكافئة، المكافئ وغير المكافئ لا يستويان، والله عز وجل يقول: (( لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ) )وهذا كافر: يهودي أو نصراني.
فحينئذٍ كيف يُسوَّى بالمسلم فيُقتل به وقد قال الله عز وجل: (( لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ) )؟ هذه من الأدلة، {فَلَوْ قُتِلَ بِهِ لَثَبَتَ اسْتِوَاؤُهُمَا} ؛ لأن نفي الاستواء يقتضي نفي المساواة من جميع الوجوه.
فلو قُتِل المسلم بالكافر لاستويا في شرعية القصاص.
قال: {وَالاِسْتِدْلاَلُ عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ لا يَلِي عَقْدَ النِّكَاحِ بِقَوْله تَعَالَى: (( أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ ) )}
سواء كان الفاسق المراد به الكافر أو ما هو أعم من الكافر، يحتمل هذا وذاك، وإن كان بعضهم خصه بالكافر في هذا النص؛ لأنه قال: مؤمنًا. قابلَه (( كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا ) )يعني: كافرًا.
على كلٍ حُمل على الكافر أو ما هو أعم من ذلك قال: (( لا يَسْتَوُونَ ) ).
ولا شك أن العدل لا يستوي مع الفاسق ولو كان مسلمًا .. لا يستويان.
{وَلَوْ قُلْنَا: يَلِي، لاسْتَوَى مَعَ الْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ، وَهُوَ الْعَدْلُ} .