(( إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا ) )هنا الاستثناء. يعني: فاسقون إلا إن وُجدت التوبة، فيُرفع عنهم الفسقُ.
قال هنا: {فَـ (( إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا ) )عَائِدٌ إلَى الإِخْبَارِ بِأَنَّهُمْ فَاسِقُونَ قَطْعًا. حَتَّى يَزُولَ عَنْهُمْ بِالتَّوْبَةِ اسْمُ الْفِسْقِ, بَلْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَيَلْزَمُ مِنْهُ لاَزِمُ الْفِسْقِ وَهُوَ عَدَمُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ, خِلافًا لأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَزُولُ اسْمُ الْفِسْقِ، وَلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ} .
يعني: أعاده إلى الأخيرة فقط، ولم يعده إلى ما قبلها.
{عَمَلًا بِمَا سَيَأْتِي مِنْ قَاعِدَتِهِ, وَهُوَ الْعَوْدُ إلَى الأَخِيرِ، لا إلَى غَيْرِهِ} .
وهي عائدة إلى الجميع، إلا الحد، هذا لا يدخله استثناء البتة.
{وَلا يَعُودُ فِي هَذِهِ الآيَةِ لِلْجَلْدِ الْمَأْمُورِ بِهِ قَطْعًا} لأنه حدٌ ثابتٌ.
لأَنَّ حَد الْقَذْفِ حَقٌّ لآدَمِيِّ, فَلاَ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ.
وَهَلْ يَعُودُ إِلَى قَبُولِ الشَّهَادَةِ، فَتُقْبَلَ إذَا تَابَ، أَوْ لا يَعُودُ إلَيْهِ فَلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؟ محل الخلاف هنا.
عند أبي حنيفة: لا تعود إلا لقوله: (( وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) )وهذا محل وفاق، لكن هل تعود إلى الجملة التي قبلها، وهي قوله: (( وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ) )هذا محل النزاع.
إن قلنا الأصل أنه يعود إلى الجميع عادت وإلا فلا.
وَمِثَالُ الْعَائِدِ إلَى الْكُلِّ قَطْعًا بِالدَّلِيلِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (( إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا ) )فَـ (( إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا ) )عَائِدٌ إلَى الْجَمِيعِ بِالإِجْمَاعِ, كَمَا قَالَهُ السَّمْعَانِيُّ.
وَكَذَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ ) )الآيَةَ فَـ (( إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ) )عَائِدٌ إلَى الْكُلِّ يعني: ما بعدها.
(( وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ ) )إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ، (( وَالْمَوْقُوذَةُ ) )إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ، يعني: إذا أدركتموها. فهو عائدٌ إلى الجميع.
{وَكَذَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (( وَاَلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ) )الآيَاتِ فَـ (( إلاَّ مَنْ تَابَ ) )عَائِدٌ إلَى الْجَمِيعِ} الذين يدعون مع الله، والذين يزنون .. إلى آخره.
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: بِلاَ خِلاَفٍ.
وَأَمَّا مَا تَجَرَّدَ عَنْ الْقَرَائِنِ وَأَمْكَنَ عَوْدُهُ إلَى الأَخِيرِ وَإِلَى الْجَمِيعِ فهذا محل خلاف {وفِيهِ مَذَاهِبُ} :