{وَقَوْلُهُ: عَلَى السَّوَاءِ احْتِرَازٌ عَنْ الظَّاهِرِ} لأن الظاهر يحتمل معنيين لا على السواء.
{وَعَنْ الْحَقِيقَةِ الَّتِي لَهَا مَجَازٌ} لا شك أنه لا يستويان، إذا قلت: رأيت أسدًا. حينئذٍ يحتمل الرجل الشجاع ويحتمل الحيوان المفترس.
لكن هل هما على السواء؟ الجواب: لا. لأن عندنا أصل وهو أن حمل اللفظ على حقيقته عند السامع مُقدّم على حمله على مجازه.
{وَشَمِلَ الْقَوْلَ وَالْفِعْلَ وَالْمُشْتَرَكَ وَالْمُتَوَاطِئَ} وعرفنا المشترك أنه يحتمل معنيين فأكثر.
لكن لكل واحدٍ منها وضعٌ خاص، وكذلك المتواطئ، وإن كان هو راجعًا إلى الكليِّ الذي استوت أفراده في مدلوله.
{وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمُجْمَلُ مَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلالَتُهُ} .
يعني: له دلالة، ليس المراد أنه ليس له دلالة وإلا صار مهملًا، وإنما المراد به أن له دلالة لكنها غير واضحة، قال: {مَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلالَتُهُ} أي: {مَا لَهُ دَلالَةٌ غَيْرُ وَاضِحَةٍ} لئلا يرد عليه المهمل وهو ليس له دلالة، فيصدق عليه أنه لم تتضح دلالته؛ إذ لا دلالة فيه ولا اتضاح.
وَابْنُ مُفْلِحٍ وَالسُّبْكِيُّ عرّفوا المُجمل بأنه: مَا لَهُ دَلالَةٌ غَيْرُ وَاضِحَةٍ. وهو استدراك على قول ابن الحاجب؛ لأن قول ابن الحاجب موهم: مَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلالَتُهُ، حينئذٍ دخل المهمل، فالمهمل لم تتضح دلالته؛ إذ ليس له دلالة أصلًا، حينئذٍ ورد عليه المهمل.
السبكي قال:"ما له دلالة"يعني: لفظٌ له دلالة لكنها غير واضحة، وذلك السبب هو استواء المعاني أو تعدد المعاني على السواء؛ حيث لا مرجِّح لأحد المعاني على الآخر.
إذًا: (الْمُجْمَلُ: مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ مُحْتَمَلَيْنِ فَأَكْثَرَ عَلَى السَّوَاءِ) لأنه قد يكون له محتملان .. معنيان، وقد يزيد على ذلك.
حينئذٍ يُشترط فيه أن تكون هذه المعاني على السواء؛ حيث لا مرجِّح، فإن وجد مرجّح حينئذٍ خرج عن كونه مُجملًا. يعني: هذا الوصف يكون قبل وجود المبيِّن، أما بعد البيان فحينئذٍ اتضح .. ليست على السواء.
يعني: المُجمل هذا قبل البيان؛ من أجل أن نحكم عليه أنه مُجمل، أما إذا حصل البيان فحينئذٍ لا يتحقق فيه هذا الوصف أنه استوى فيه أفراده لا، إنما نقول: ترجح أحد الأفراد بدليلٍ خارجي وهو كذا.
ويدل على ذلك أن حكمه: (التَّوَقُّفُ عَلَى الْبَيَانِ الْخَارِجِيِّ) .
إذًا: بحثنا في حقيقة المُجمل قبل البيان، ومر معنا أنه لا يوجد في الشريعة ما يتعلق به التكليف وهو مُجملٌ ولم يبينه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هذا لا وجود له. يعني: يكون من التكليف بالمحال وهو ممتنع.
حينئذٍ نقول: المُجمل البحث فيه من حيث التعريف قبل وجود المبيَّن، ويدل على ذلك أن حكه التوقف حتى يأتي المبيِّن الخارجي، وهذا يدل على أن المسألة إنما هي نظرية.
(وَحُكْمُهُ) أي حكم المُجمل في الشرع -إذا مر بك لفظٌ مُجمل- حكمه التوقف.
يعني: لا يُرجَّح معنى على معنى آخر؛ لأنه لو رُجِّح حينئذٍ صار تحكُّمًا، والتحكم ضربٌ من الهوى، والشريعة لا تُبنى على الهوى ولا على التحكُّم وإنما تُبنى على الشرع.
فلا يرجِّح أحد المعنيين على الآخر إلا من جهة الشرع.