قال: إذًا هذا فيه تطويل، لكنه هذا موافق للسان العرب، العرب قد تأتي بشيء مطولًا مفصلًا ويمكن اختصاره، فيه من التأكيد، وفيه من الاختبار، وفيه من الابتلاء .. هل يصدق أو لا يصدّق؟ إلى آخره.
قال: {وَلا يَقَعُ فِي كَلامِ الْبُلَغَاءِ} لا هذا فيه نظر.
{فَضْلًا عَنْ كَلامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَكَلامِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} .
إذًا: الإجمال بدون البيان لا فائدة فيه، وهذا نُقر بذلك، ولا وجود له في الكتاب والسنة.
{وَمَعَهُ تَطْوِيلٌ} والصواب أنه ليس بتطويل، بل هو من أساليب اللغة العربية، ومجيئه معه لا إشكال فيه.
قال: {وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْكَلامَ إذَا وَرَدَ مُجْمَلًا، ثُمَّ بُيِّنَ وَفُصِّلَ أَوْقَعُ عِنْدَ النَّفْسِ مِنْ ذِكْرِهِ مُبَيَّنًا ابْتِدَاءً} .
هذا من فوائد الإجمال ثُم التفصيل، يأتي الإجمال أولًا ثم التفصيل، ولذلك عطفُ الخاص على العام من هذا القبيل (( مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ ) )فقال: (( وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ) ) [البقرة:98] وملائكته شمل جبريل وميكال، لماذا ذكر الملائكة إجمالًا ثم نص على جبريل وميكال؟ نقول: لفائدة، هذه الفائدة تجري على سَنن اللغة العربية وهو أن ذكر الخاص بعد العام يزيد اهتمامه.
هنا كذلك يُجمِل أولًا فتتشوق النفس إلى معرفة ما تعلق به هذا اللفظ ثم إذا وقع مفصَّلًا كان آكد في النفس، وهذا لا ينكره البلغاء البتة، ومرده إلى أهل العربية فهم أثبت فيه من داود الظاهري.
إذًا: (وَهُوَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) ولا إشكال فيه.
ثم أراد أن يبيّن محال الإجمال أين يقع؟
فبيَّن أنه يأتي في المفرد ويأتي في المركب.
قال: (وَيَكُونُ فِي حَرْفٍ) .
يعني: يكون الإجمال في حرفٍ، وذلك في كل حرفٍ وقع فيه النزاع في القرآن من حروف العطف أو حروف الجر فهو داخلٌ تحت الإجمال.
كل حرفٍ دل على معنيين فأكثر ووقع النزاع فيه بين أهل العلم فهو صالحٌ للمثال في الإجمالي في الحرف.
(وَيَكُونُ) {الإِجْمَالُ} (فِي حَرْفٍ) {نَحْوُ الْوَاوِ فِي قَوْله تَعَالَى: (( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ) )} .
(( وَالرَّاسِخُونَ ) )الواو هل هي عاطفة أو استئنافية؟
مر معنا أن فيها خلافًا، لكن المشهور عن السلف أنها ابتدائية .. استئنافية، حينئذٍ يكون: (( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ) )جملة مبتدَئة.
(( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ) ) [آل عمران:7] (( وَالرَّاسِخُونَ ) )هذه جملة جديدة وليست تابعة لما مر.
حينئذٍ وقع نزاع فيها .. الخلاف موجود، وينبني عليه الخلاف في معنى التأويل، لكن الشاهد هنا: أن الواو صارت محتملة للعطف وصارت محتملة للاستئناف وهما معنيان على السواء، فاحتجنا إلى مرجِّحٍ من خارج وهو فهم السلف لهذه الآية.
ولذلك قال هنا: {نَحْوُ الْوَاوِ فِي قَوْله تَعَالَى: (( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ) )فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عَاطِفَةً، وَيَكُونَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ} وحينئذٍ يكون التأويل بمعنى التفسير وليس معنى إدراك الحقائق.