وَظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ وَصَاحِبِهِ الأَثْرَمِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا يعني: عاشوراء. على الخلاف فيه.
ثم قال: (وَتَأْبِيدُ تَكْلِيفٍ بِلَا غَايَةٍ) .
يعني: يَجُوزُ تَأْبِيدُ تَكْلِيفٍ بِلاَ غَايَةٍ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، وَأَنَّهُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ، وَخَالَفَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا.
قَالَ الْمَجْدُ فِي الْمُسَوَّدَةِ، وَتَبِعَهُ مَنْ بَعْدَهُ: يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ دَائِمًا إلَى غَيْرِ غَايَةٍ.
هو الأصل هذا .. الأصل إذا أُمر المكلَّف أنه إلى غير غاية، هذا إن أراد بها الدنيا، وأما الآخرة فليست داخلة لأنها ليست محل التكليف.
وتسوية الآخرة بالدنيا أن يقال: هذا لا يأتي. هذا فيه بعدٌ.
قال: يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ دَائِمًا إلَى غَيْرِ غَايَةٍ فَيَقُولُ: صَلُّوا مَا بَقِيتُمْ أَبَدًا, وَصُومُوا رَمَضَانَ مَا حَيِيتُمْ أَبَدًا، فَيَقْضِي الدَّوَامَ مَعَ بَقَاءِ التَّكْلِيفِ. وَبِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ مِنْ الأُصُولِيِّينَ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِهِ.
قَالَ الْمَجْدُ: وَمَنَعَتْ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْهُ، وَقَالُوا: مَتَى وَرَدَ اللَّفْظُ بِذَلِكَ لَمْ يَقْتَضِ الدَّوَامَ، وَإِنَّمَا هُوَ حَثٌّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِالْفِعْلِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابن تيمية رحمه الله تعالى {وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُمْ لا يَمْنَعُونَ الدَّوَامَ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّمَا يَمْنَعُونَ الدَّوَامَ مُطْلَقًا} يعني: حتى في الآخرة، وهذا ليس بحثنا، لا خلاف أن الآخرة ليست دار تكليف.
يعني: منذ أن ينتهي أجله في هذه الدنيا لا صلاة ولا صوم ولا زكاة ولا حج ولا غيره.
إذًا الحاصل: أنه يجوز تأبيدُ تكليف بلا غاية، هذا هو الأصل؛ لأن الأصل في الأحكام الشرعية الديمومة .. الاستمرار، هذا الأصل فيها، فحينئذٍ وافق الأصل في الشريعة، الأصل في الشريعة نزلت ليُعمل بها إلى أن يقضي الله عز وجل على هذه الدنيا، أو يموت هو بشأنه. والأمر واضح بيِّن.
قال: (تَنْبِيهٌ: لَمْ تُنْسَخْ إبَاحَةٌ إلَى إيجَابٍ وَلَا إلَى كَرَاهَةٍ) .
{قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: رَأَيْتُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ كُتِبَ أَصْحَابِنَا} .
يعني: ليس عندنا حكمٌ في الشرع هو مباح، ثم نُسِخ إلى إيجاب أو إلى كراهة. فيُنظر فيه، والله أعلم.
قال: (فَصْلٌ، يَجُوزُ نَسْخُ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ) .
أراد أن يبيِّن الآن محل النسخ أين؟ وهذا أهم ما يُعتنى به، ولذلك صُنِّفت فيه مصنفات.
قال: (يَجُوزُ نَسْخُ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ) .
التلاوة يعني: اللفظ، والمراد به القرآن يعني: {أَيْ تِلاَوَةِ كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ} .
عبَّر هنا: (يَجُوزُ نَسْخُ التِّلَاوَةِ) {أَيْ تِلاوَةِ كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ، دُونَ الْحُكْمِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْكَلِمَاتُ الْمَنْسُوخَةُ} .
(وَعَكْسُهُ) {أَيْ: نَسْخِ الْحُكْمِ دُونَ التِّلاوَةِ} .
(وَهُمَا) {أَيْ: التِّلاوَةُ وَالْحُكْمُ مَعًا} هذا كذلك.