(إِذْ لَمْ أَطَّلِعْ عَلَى مُصَرِّحٍ بِالتَّصْحِيْحِ) {لأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ, أَوْ الأَقْوَالِ} . وهذا ما يتعلق باصطلاح المصنف رحمه الله تعالى، بين لنا أنه اختصر التحرير أولًا، ثم التحرير اشتمل على جميع أو أكثر أقوال أهل العلم في المسألة .. المذاهب الأربعة وغيرهم، فقدم القول الذي قدمه المصنف المرداوي رحمه الله تعالى وهو مذهب الإمام أحمد وما عليه الأكثر.
ثم بين لنا طريقته في ضبط هذا المختصر، فقال: ما ذكرته (فِي وَجْهٍ فَالْمُقَدَّمُ غَيْرُهُ، وَإن قلت فِي قَولٍ أَوْ عَلَى قَوْلٍ، فَإِذَا قَوِيَ الْخِلَافُ أَوْ اخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ أَوْ مَعَ إطْلَاقِ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالِ) .
قال في الشرح: {وَإِنَّمَا وَقَعَ اخْتِيَارِي عَلَى اخْتِصَارِ هَذَا الْكِتَابِ دُونَ بَقِيَّةِ كُتُبِ هَذَا الْفَنِّ؛ لأِنَّهُ جَامِعٌ لأكْثَرِ أَحْكَامِهِ, حَاوٍ لِقَوَاعِدِهِ وَضَوَابِطِهِ وَأَقْسَامِهِ، قَدْ اجْتَهَدَ مُؤَلِّفُهُ فِي تَحْرِيرِ نُقُولِهِ وَتَهْذِيبِ أُصُولِهِ} هذا بيان لسبب اختيار المصنف رحمه الله تعالى لهذا المتن.
ثم قال رحمه الله تعالى خاتمًا هذه المقدمة: (وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ مُغْنِيًا لِحُفَّاظِهِ عَنْ غَيْرِهِ عَلَى وَجَازَةِ أَلْفَاظِهِ) .
(وَأَرْجُو) هذا مخبر لمحذوف، يعني: وأنا أرجو، والرجاء من الأمل ممدود، يعني: آمل من فضل الله سبحانه وتعالى أن يكون مغنيًا، ما هو؟ أن يكون هذا المختصر بعد ذكر ما سبق (مُغْنِيًا) أي: مجزيًا.
(لِحُفَّاظِهِ) جمع حافظ، يقال: حفظ الشيء استظهره، وتحفظ الكتاب استظهره شيئًا بعد شيء، (مُغْنِيًا لِحُفَّاظِهِ) كأن المصنف يقول لك: هذا الكتاب مما يحفظ عند أهل العلم، والذي يحفظ عند أهل العلم على مرتبتين: إما أن يكون منثورًا، وإما أن يكون منظومًا، واشتهر عند أهل العلم من المنثورات ما اشتهر، واشتهر عند أهل العلم من المنظومات ما اشتهر.
من كان له همة في حفظ متن يكون نظمًا فلا يشتغل بحفظ هذا المتن، وإنما ينظر فيه ويطالعه مرة بعد مرة إذا كان دارسًا لمذهب الحنابلة في الفقه، ليجمع بين الأمرين، ومن لم يكن له همة في حفظ نظم وتعلقت نفسه بالمنثور فلا بأس أن يكون هذا المتن من محفوظاته.
(وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ مُغْنِيًا لِحُفَّاظِهِ عَنْ غَيْرِهِ) يعني: من كتب هذا الفن، لأنه جامع للمهم في مذهب الإمام أحمد وما عليه الأكثر (عَلَى {مَا اتَّصَفَ بِهِ مِنْ} وَجَازَةِ أَلْفَاظِهِ) ، {أَيْ: تَقْلِيلِهَا، وَإِيجَازُ اللَّفْظِ: اخْتِصَارُهُ مَعَ اسْتِيفَاءِ الْمَعْنَى} ، وإيجاز اللفظ اختصاره مع استيفاء المعنى، هذا الذي يسمى مختصرًا، {اخْتِصَارُهُ مَعَ اسْتِيفَاءِ الْمَعْنَى} ، ما قل لفظه وكثر معناه، {وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ. وَاخْتُصِرَ لِي الْكَلاَمُ اخْتِصَارًا} يعني: يعتبر من المبالغة.