{قُبِلَ مِنْهُ اسْتِدْلالُهُ فِي الأَصَحِّ، وَنَهَضَ دَلِيلُهُ عَلَى خَصْمِهِ} لأنه من باب إحسان الظن، الأصل فيه هذا. {مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَقُولَ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ، إذَا كَانَتْ السِّلْعَةُ تَالِفَةً: مُتَبَايِعَانِ تَخَالَفَا، فَيَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ} كلٌ منهما يرد للآخر {كَمَا لَوْ كَانَتْ قَائِمَةً} بينهما، وجاء بالنص {لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: } هذا نص عنده.
فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالنَّصِّ وَعِلَّتِهِ، وَهِيَ: التَّحَالُفُ بِالأَيْمَانِ.
حينئذٍ لما لم يكن الخصم مُسَلِّمًا في كون المتبايعين يتحالفان أثبت له النص وأثبت له العلة، فحينئذٍ قُبل منه، في هذا الانتشار المقبول دون أن يكون ثم انتشارٌ أوسع من ذلك.
{وَقِيلَ: لا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْ الْمُسْتَدِلِّ حَتَّى يَكُونَ حُكْمُ الأَصْلِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، أَوْ يَتَوَافَقَ عَلَيْهِ الْخَصْمَانِ} صونًا للكلام عن الانتشار.
على كلٍ هذا مستثنى عند المصنف رحمه الله تعالى؛ لأن هذا الانتشار مقبول وإن كان الأصل منعه عند أرباب البحث والمناظرة.
قال: {وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ -وَهُوَ الصَّحِيحُ- بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ لَمْ تُقْبَلْ فِي الْمُنَاظَرَةِ مُقَدِّمَةٌ تَقْبَلُ الْمَنْعَ، وَاللاَّزِمُ بَاطِلٌ} .
يعني: لو لم نقبل لن نقبل مطلقًا أي مقدمة في المناظرة لحكم شرعي؛ لأن هذا الخروج يعتبر مقدمة لحكم آخر، لأنهما سيتناظران من أجل مسألة ما.
أنا لا أُسلِّم بهذا القياس، إذًا ثَم مقدمة لا بد من اعتبارها؛ لأن المتناظرين لا بد أن يكون ثَم خروج لكنه منضبط وهذا منه، فلو منعنا هذه المقدمة التي هي انتشارٌ مغتفرٌ، حينئذٍ لزم منا أن نمنع كل ما يمكن أن يستدركه كلٌ من الخصمين.
قال: {بَيَانُ الْمُلازَمَةِ: أَنَّ مَنْ يَمْنَعُ ذَلِكَ وَيَشْتَرِطُ فِي حُكْمِ الأَصْلِ الاتِّفَاقَ عَلَيْهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِئَلاَّ يَحْصُلَ الانْتِقَالُ مِنْ مَطْلُوبٍ إلَى آخَرَ} .
وهذا فيه انتقال، لكنه انتقالٌ مغتفر، وهي مقدمة بسيطة، أن يذكر النص ويذكر دليله، ثم مسلك وينتهي منه.
{وَانْتِشَارُ كَلامٍ يُوجِبُ تَسَلْسُلَ الْبَحْثِ، وَيَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ مَقْصُودِ الْمُنَاظَرَةِ وَهَذَا لا يَخْتَصُّ بِحُكْمِ الأَصْلِ، بَلْ هُوَ ثَابِتٌ فِي كُلِّ مُقَدِّمَةٍ تَقْبَلُ الْمَنْعَ} .
ثم قال: (وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِحُكْمِ أَصْلِهِ الْمُسْتَدِلُّ فَفَاسِدٌ) .
يعني: مُستدل المناظر هو في نفسه قاس قياسًا على شيءٍ مع الأصل، أراد أن يُلحق فرعًا بأصل، ثم هو لا يقول بحكم الأصل، ففاسد يعني: القياس فاسد، وإنما يصح عند غيره.
{وَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ يَقُولُ بِحُكْمِ الأَصْلِ وَلَمْ يَقُلْ بِحُكْمِ أَصْلِهِ الْمُسْتَدِلُّ} الذي يستدل بالقياس: استدل عليَّ حنفيٌ بقياسٍ، أنا عندي أقول بحكم الأصل، لكن هو لا يقول بحكم الأصل، وإنما قاس فرعًا على أصلٍ من أجل إقناعي لأني موافق على حكم الأصل. قال: فاسد .. هذا القياس فاسد.