فهرس الكتاب

الصفحة 1768 من 1890

(وَلَا مَنْ بَذَلَ وُسْعَهُ، وَلَوْ خَالَفَ قَاطِعًا وَإِلاَّ أَثِمَ لِتَقْصِيرِهِ) .

{وَلا يَأْثَمُ أَيْضًا مَنْ بَذَلَ وُسْعَهُ، وَلَوْ خَالَفَ دَلِيلًا قَاطِعًا} يعني: ليس حُكمًا وإنما الدليل؛ لأن الدليل قد يكون قاطعًا والمدلولُ لا يكون قاطعًا، لا بد من حمل كلامه على هذا.

(وَإِلاَّ أَثِمَ لِتَقْصِيرِهِ) يعني: إذا لم يبذل وسعه حينئذٍ أثم لتقصيره؛ لأنه يعتبر مقصرًا.

أَمَّا عَدَمُ إثْمِهِ إذَا بَذَلَ وُسْعَهُ: فَلأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَلا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا، وَقَدْ أَتَى بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.

وَأَمَّا إذَا لَمْ يَبْذُلْ وُسْعَهُ: فَإِنَّهُ يَأْثَمُ؛ لِكَوْنِهِ قَصَّرَ فِي بَذْلِ الْوُسْعِ.

قال رحمه الله تعالى: {وَلِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ (فِي وَقْتَيْنِ لا) فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ} (قَوْلَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ) .

يعني مسألة اجتهادية يقول في وقتٍ بالوجوب، ويقول في وقتٍ آخر بعدم الوجوب. لا إشكال فيه؛ لأنه قد يكون بدا له شيءٌ لم يظهر له في السابق، لكن في وقتين.

لكن في وقتٍ واحد -واجب وليس بواجب- يصح؟ لا يصح، هذا الأصل.

ولذلك أوَّلوا عن الشافعي بما سيأتي.

{وَلِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ (فِي وَقْتَيْنِ لا) فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ} (قَوْلَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ) الوجوب وعدم الوجوب، ما حكم كذا؟ قال: واجب ليس بواجب، حرام ليس بحرام، مندوب ليس بمندوب، مباح ليس بمباح .. افعل ولا حرج.

{أَمَّا كَوْنُ الْمُجْتَهِدِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ قَوْلَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ: فَلأَنَّ اعْتِقَادَ ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ مُحَالٌ} وهذا واضح لأنه محال.

واجب وليس بواجب في وقتٍ واحد وهو يعتقد هذا. لا يمكن أن يوجد، هذا محال أن يعتقد في وقتٍ واحد الوجوب وعدم الوجوب، هذا لا وجود له.

قال: {وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ} .

أنه أجاب في وقتٍ واحدٍ بجوابين متضادين، لكن حملوه.

{قَالَ أَبُو حَامِدٍ: لَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ إلاَّ فِي بِضْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا: سِتَّةَ عَشَرَ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى عُلُوِّ شَأْنِهِ} .

يعني: أراد أن يبيِّن أنه ليس هذا مما يقدح به الشافعي رحمه الله تعالى.

قال: {وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ} يعني: ذكَر قولين وإحسانُ ظنٍ بالشافعي أنه لم يعتقد مدلول القولين. يعني: في بضع مسائل قال فيها: يجب لا يجب، أراد أن يذكر القولين دون ترجيح.

لكنه قطعًا لا يعتقد مدلول القولين، وإلا حصل تناقض.

{وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ: التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مَا سِوَاهُمَا لا يُؤْخَذُ بِهِ} قال: واجب ليس بواجب. إذًا: الحق محصورٌ في هذين القولين فلا يجوز إحداثُ قولٍ ثالث، وهذه فائدة وخاصة من الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وهو إمام الفقه والأصول.

فإذا حصل لك القولين الخلاف هذه فائدة.

قال: {وَأَنَّ الْجَوَابَ مُنْحَصِرٌ فِيمَا ذُكِرَ فَيُطْلَبُ التَّرْجِيحُ فِيهِ} فلا يخرج عنه البتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت