قال: (وَ) {يَكُونُ أَيْضًا فِي} (إِسْنَادٍ) {عَلَى الصَّحِيحِ وَعَلَيْهِ الْمُعْظَمُ} وكثير من أصحابنا، {فَيَجْرِي فِيهِ, وَإِنْ لِمَ يَكُنْ فِي لَفْظَيْ الْمُسْنَدِ وَالْمُسْنَدِ إلَيْهِ تَجَوُّزٌ} يعني لا يشترط في الإسنادي -المجاز الإسنادي- أن يقع في المسند والمسند إليه، وإنما يقع فيهما معًا مع الإسناد، وإنما المراد الحكم هنا مُنصبًا على الإسناد.
قال: {وَذَلِكَ بِأَنْ يُسْنَدَ الشَّيْءُ إِلَى غَيْرِ مَنْ هُوَ لَهُ} وعبر بعضهم بأن ينسب أو يسند الفعل إلى غير من صدر عنه بضرب من التأويل، وحينئذٍ يسمى مجازًا عقليًا.
قال هنا: وَذَلِكَ بِأَنْ يُسْنَدَ الشَّيْءُ إِلَى غَيْرِ مَنْ هُوَ لَهُ بِضَرْبٍ مِنْ التَّأْوِيلِ بِلاَ وَاسِطَةِ وَضْعٍ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
أَشَابَ الصَّغِيرَ وَأَفْنَى الْكَبِيَرَ ... كَرُّ الْغَدَاةِ وَمَرُّ الْعَشِيْ.
{أَشَابَ} فعل ماضي. {الصَّغِيرَ} هذا مفعول به. {كَرُّ الْغَدَاةِ} هذا فاعل، {وَمَرُّ الْعَشِيْ} هذا معطوف على الفاعل، هنا ماذا؟ {لَفْظُ الإِشَابَةِ حَقِيقَةٌ فِي مَدْلُولِهِ, وَهُوَ تَبْيِيضُ الشَّعْرِ} الشيب هذا.
{فلَفْظُ الإشَابَةِ حَقِيقَةٌ فِي مَدْلُولِهِ, وَهُوَ تَبْيِيضُ الشَّعْرِ, وَالزَّمَانُ} كر الغداة ومر العشي، يعني: {مُرُورُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ حَقِيقَةٌ فِي مَدْلُولِهِ أَيْضًا, لَكِنْ} كون الذي يسبب الإشابة هو الزمان هذا يسمى مجازًا، لماذا؟ لأن الذي يشيب أصلًا وابتداءً وفرعًا هو الله عز وجل، فهنا قال: أشاب كر الغداة الصغير، وحينئذٍ من الذي أشاب الصغير؟ كر الغداة. يعني الزمان، هل الزمان يشيب الرأس؟ قالوا: لا، وهذا انتبه! هذا بناءً على مسألة السببية مع السبب، وإلا قد يقال بأن الله تعالى جعل في الزمن ما يؤثر في الرأس فيشيبه كما هو الشأن في المطر ونحوه، وهذه المسائل مبنية على مسألة السببية والسبب، هل السبب يؤثر بنفسه فله تأثير أم لا؟ وهذا فيه نزاع، وأهل السنة والجماعة .. قال ابن تيمية وجمهور أهل السنة والجماعة على أن السبب له تأثير بذاته، فالله عز وجل جعل في هذا الماء ما يفيد الرِّي، يعني: ما يرفع العطش، وجعل في الخبز ما يشبع، وجعل في المطر خاصية للإنبات، وجعل للأرض خاصية في نوع النبات، وهكذا .. وحينئذٍ له تأثير بذاته، لكن بفعل من؟ بفعل الله عز وجل. من أنكر السببية قال: لا، لا فرق بين الخبز ولا المطر ولا الماء ولا الشراب .. في الري ولا في الشبع ولا في غيره، وإنما يحصل بماذا؟ بفعل الله تعالى عند هذا الشيء، ولذلك يقولون: انكسر الزجاج عند الحجر لا بالحجر، صحيح؟ إذا رميت زجاجًا بالحجر فانكسر، من الذي كسر الزجاج؟ الحجر، له تأثير؟ نعم له تأثير، من الذي جعل له تأثيرًا؟ الله عز وجل، فالله المؤثر الحقيقي وجعل خاصية في الحجر تؤثر بذاتها، من أنكر السببية قال: لا، الزجاج لم ينكسر بالحجر، إنما كسره الله عز وجل، عند الحجر لا به، وهذا غلط.
إذًا:
{أَشَابَ الصَّغِيرَ وَأَفْنَى الْكَبِيَرَ كَرُّ الْغَدَاةِ وَمَرُّ الْعَشِيْ}