قال رحمه الله تعالى: (وَلاَ يُعَارِضُ الْقُرْآنَ غَيْرُهُ بِحَالٍ) القرآن إذا ثبت أنه من الأدلة النقلية وأنه يفيد اليقين (لاَ يُعَارِضُ الْقُرْآنَ غَيْرُهُ بِحَالٍ) .
ولعل مراده رحمه الله تعالى: الرد على أهل البدع الذين يقولون بأن العقل الصريح يعارض القرآن في أمور، يعني: ثم أمور قطعية يقطع بها العقل، فهذه لا ندري عقل من؟ وإنما تختلف من أرباب .. تختلف بين أصحاب البدع والفرق المختلفة، فعقل الكرامي غير عقل الجهمي غير عقل المعتزلي .. إلى آخره.
فحينئذٍ (لاَ يُعَارِضُ الْقُرْآنَ غَيْرُهُ) من العقول (بِحَالٍ) فالقرآن مقدم مطلقًا، وكل دعوى أن شيئًا يعارض القرآن فهي مردودة على صحابه.
(وَحَدَثَ مَا قِيلَ) يعني: وقع في الأمة ما قيل (أُمُورٌ قَطْعِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ تُخَالِفُ الْقُرْآنَ) هذا باطل، (أُمُورٌ قَطْعِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ تُخَالِفُ الْقُرْآنَ) نقول: هذا باطل، لا سيما في الشرعيات.
أما المحسوسات .. الأمور الدنيوية، هذه الأصل في القرآن أنه لم ينزل إلا من أجل التشريع، يعني: الأمر والنهي، فإن وجد ما ظاهره في القرآن شيء ثم وجد بالعلم المحسوس الآن شيء آخر فلا شك أن الجمع هنا أولى، ولا نقول: إن هذا يعارض هذا والقرآن مقدم مطلقًا، يعني: القرآن لم ينزل من أجل الأمور المحسوسات، ولم ينزل من أجل العلم التجريبي ونحوه، وإنما الأصل فيه هو التشريع.
فإن أشار إلى حقيقة ما كونية ثم في العلم التجريبي المحسوس المدرك الآن بالوسائل المتطورة، وجد شيء ما أنه يخالف ظاهر القرآن، إن خالف ظاهر القرآن يمكن الجمع، فلا نقول: أمور قطعية خالفت نصوص القرآن؛ لأن القرآن يكون ظاهرًا ويكون نصًا، النص هو الذي لا يحتمل، فإن جاء في الشرع ما لا يحتمل فهو مقدم مطلقًا، وأما إذا جاء ما هو ظاهر، يعني: يحتمل هذا وذاك، فيمكن تأويله والجمع بينهما، فحينئذٍ الجمع هو الأولى.
هنا قال: فَائِدَةٌ.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ, يُقَالُ: مَا الْمَعْنِيُّ بِالدَّلِيلِ اللَّفْظِيِّ: هَلْ هُوَ الظَّوَاهِرُ مَعَ النُّصُوصِ, أَوْ الظَّوَاهِرُ بِمُفْرَدِهَا؟.
لأن القرآن نص، والنص هو ما لا يحتمل غيره، والظاهر هو ما يحتمل غيره، لكنه يحمل على الراجح دون المرجوح، فما المراد بالدليل اللفظي؟ {هَلْ هُوَ الظَّوَاهِرُ مَعَ النُّصُوصِ, أَوْ الظَّوَاهِرُ بِمُفْرَدِهَا} دون النصوص؟
{وَيُقَالُ أَيْضًا: الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم بَيَّنَ مُرَادَهُ فِيمَا جَاءَ بِهِ} يعني: في باب المعتقد وفي باب العمليات.
{وَلَنَا أَلْفَاظٌ نَقْطَعُ بِمَدْلُولِهَا بِمُفْرَدِهَا، وَتَارَةً بِانْضِمَامِ قَرَائِنَ أَوْ شَهَادَةِ الْعَادَاتِ ثُمَّ نَمْنَعُ مُعَارَضَةَ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ الْقَطْعِيِّ لِلدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ} يعني: لا يتعارضان، ليس عندنا عقل صحيح مستقيم على فهم السلف ثم نقول: هذا فهمه يعارض نص القرآن، بل لا يعارض ظاهر القرآن، وإنما هو لفساد في عقولهم.