قال الشارح: {وَهَذَا الْحَدُّ لأِكْثَرِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ} نقله عنهم ابن مفلح في أصوله، يعني الحد السابق (مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ بِالْفِعْلِ أَوْ الْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ) هو ما اختاره كثير من الحنابلة، {ثُمَّ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الْفَرْعِيُّ: هُوَ الَّذِي لاَ يَتَعَلَّقُ بِالْخَطَإِ فِي اعْتِقَادِ مُقْتَضَاهُ, وَلاَ فِي الْعَمَلِ بِهِ قَدْحٌ فِي الدِّينِ, وَلاَ وَعِيدٌ فِي الآخِرَةِ, كَالنِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ وَالنِّكَاحِ بِلاَ وَلِيٍّ وَنَحْوِهِمَا.}
وَالْفَرْعُ حُكْمُ الشَّرْعِ قَدْ تَعَلَّقَا ... بِصِفَةِ الْفِعْلِ كَنَدْبٍ مُطْلَقَا
ثم قال رحمه الله تعالى: (وَالْفَقِيهُ) عرفنا الفقه، من هو الفقيه؟ يعني المتصف بهذا الوصف؟ قال: (الْفَقِيهُ) فِي اصْطِلاَحِ أَهْلِ الشَّرْعِ (مَنْ عَرَفَ جُمْلَةً غَالِبَةً مِنْهَا كَذَلِكَ) مَنْ عَرَفَ جُمْلَةً الجملة المراد بها بعض الشيء أو جماعة كل شيء.
(غَالِبَةً) يعني كثيرة.
(مِنْهَا) أي: من الأحكام الشرعية الفرعية.
(كَذَلِكَ) المراد بالكذلكة هنا على الوصف السابق، يعني إما بالفعل وإما القوة القريبة، فإذا انتفى عنه الوصفان فلا يكون فقيهًا البتة.
(كَذَلِكَ) أي: على الصورة المذكورة، {أَيْ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْفِعْلِ, وَهِيَ التَّهَيُّؤُ لِمَعْرِفَتِهَا عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ. فَلاَ يُطْلَقُ الْفَقِيهُ عَلَى مَنْ عَرَفَهَا عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ} وإلا كان مقلدًا، لو حفظ الدليل ولم يعرف كيف يستنبط منه فهو مقلد، {كَمَا لاَ يُطْلَقُ الْفَقِيهُ عَلَى مُحَدِّثٍ وَلاَ مُفَسِّرٍ, وَلاَ مُتَكَلِّمٍ وَلاَ نَحْوِيٍّ وَنَحْوِهِمْ. وَقِيلَ: الْفَقِيهُ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةٌ تَامَّةٌ يَعْرِفُ الْحُكْمَ بِهَا إذَا شَاءَ مَعَ مَعْرِفَتِهِ جُمَلًا كَثِيرَةً مِنْ الأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ, وَحُضُورِهَا عِنْدَهُ بِأَدِلَّتِهَا الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ} وهذا مقارب لما سبق.
إذًا: من هو الفقيه؟ هو من عرف جملة كثيرة غالبة من الأحكام الشرعية على الوجه السابق، إما أن يكون مستحضرًا بها، وهذا لا بد منه، وإما أن يكون عنده قدرة وملكة للبحث في ما لم يستحضره.
هذا ما يتعلق بالتعريف الأول، عرفنا أن أصول الفقه على نوعين: مركب إضافي، وهذا النظر فيه إلى المضاف لغة واصطلاحًا، والمضاف إليه لغة واصطلاحًا، وقد عرف كلًا منهما، ثم النوع الثاني وهو العلمي اللقبي، قال (وَأُصُولُ الْفِقْهِ عَلَمًا: الْقَوَاعِدُ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ) وهذا يأتي بحثه.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!