فإن جميع ذلك قصد فيه زمان معين، وتارة يطلب الفعل من غير تعرض للزمان -المقصود فيه الفعل دون الزمان-، وإن كان الأمر يدل على الزمان بالالتزام، يعني: لا بد أن يقع في زمن، ومن ضرورة الفعل وقوعه في زمان، ولكن ليس مقصودًا للشارع، ولا مأمورًا به قصدًا.
فالقسم الأول يسمى مؤقتًا"ما عيَّنه الشارع يسمى: مؤقتًا"، والثاني يسمى غير مؤقت.
إذًا: العبادات منها ما هو مؤقت، ومنها ما هو غير مؤقت.
فإن القصد منه الفعل من غير تعرض للزمان.
والقسم الأول قُصد فيه الفعل والزمان، إما لمصلحة اقتضت تعيين ذلك الزمان؛ لأنه أمر من الباري جل وعلا. ومر معنا بأن الباري لا يأمر إلا بما فيه مصلحة مطلقًا سواء علمناها أم لا.
فحينئذٍ نقول: إذا أمر بشيء وعَيّن له زمن كان هذا الزمن له حكمة، ومن جوز صحة الصلاة بعد خروج وقتها عمدًا هذا قد سوى بين الزمنين يعني: جعل الزمن الثاني بعد خروج الوقت كالزمن الذي هو معيّن من جهة الشرع، وهذا قياس، وهو باطل، لماذا؟ لأنه مصادم للنص، فلا يصح قياس الزمن الثاني على الزمن الذي عيّنه الشارع؛ لأنه لحكمة ولمصلحة ولم يبين لنا الشارع ذلك، فحينئذٍ يكون معقول المعنى.
لماذا عيّن الشارع من زوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، لم عيّن ذلك؟ الله أعلم به، هو حكمة ولا شك، لكن هل علمناها؟ نقول: لا. لم نعلمها.
حينئذٍ قياس الزمن الثاني على الأول نقول: قياس مع مقابلة النص.
إذًا: القسم الثاني ليس فيه قصد الفعل فلا يوصف فعله بأداء ولا قضاء لأنهما فرعا الوقت ولا وقت له.
فالوقت حينئذٍ: هو الزمان المقدر له شرعًا مطلقًا، مطلقًا يعني: سواء كان مضيقًا كصوم رمضان أو موسعًا كالصلاة.
وقد تكون العبادة مؤقتة بوقت لا نهاية له، مثَّلوا له بطواف الإفاضة على قول، مذهب الحنابلة مثلًا: أنه متى ما أتى به فهو له، سواء خرج وقت الحج أم لا.
إذًا: (الْعِبَادَةُ) . (الْعِبَادَة) هذه مقدِّمة، (إنْ لَمْ يُعَيَّنْ وَقْتُهَا) يعني: لم يجعل لها الشارع وقتًا معينًا ابتداء وانتهاءً {لَمْ يَكُنْ لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ} يعني: لم يكن لها حد بين طرفين.
(لَمْ تُوصَفْ) هذه العبادة (بِأَدَاءٍ وَلَا قَضَاءٍ وَلَا إِعَادَةٍ) فلا يقال: أوقع هذه العبادة أداءً، ولا يقال بأنه لو أخرها قضاءً، ولو فعلها مرة أخرى يقال: إنها إعادةٌ.
قال: {كَالنَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ, مِنْ صَلاَةٍ وَصَوْمٍ وَصَدَقَةٍ وَنَحْوِهَا} النفل المطلق لم يعين له الشارع وقتًا محددًا، فمن أراد أن يصلي ركعتين هكذا تطوعًا لا يقال بأنه صلى صلاة أداء، ولو أخرها عن وقته المعتاد عنده بالنسبة إليه لا يقال: قضاها، وإذا بطلت لخلل ما لا يقال: إعادة، فحينئذٍ ينفى عنها الأوصاف الثلاثة.
وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا لَهَا سَبَبٌ, كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَسُجُودِ التِّلاَوَةِ, أَوْ لاَ سَبَبَ لَهَا.
وَقَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: قَدْ تُوصَفُ مَا لَهَا سَبَبٌ بِالإِعَادَةِ.