قال: في الحقيقة هو ليس بقضاء، وإنما أشبه المقضي كأن الحج في المرة الأولى التي فسد فيها كأنه محدود الطرفين، فلما فُعل خارج ذلك الوقت؛ لأنه لما تلبس به تعيّن، فصار له ابتداء وانتهاء لكن بفعل المكلّف، فلما لزم منه فعله بعد خروج وقته باعتبار المرة الأولى أشبه المقضي وإن كان في الحقيقة ليس بقضاء.
(وَإِطْلاَقُ الْقَضَاءِ فِي حَجٍّ فَاسِدٍ لِشَبَهِهِ بِمَقْضِيٍّ) يعني: أشبه الفعل المقضي؛ لأنه فُعل مرة ثانية، وهذا هو الشأن في القضاء.
قال: {وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا شَرَعَ فِيهِ وَتَلَبَّسَ بِأَفْعَالِهِ تَضَيَّقَ الْوَقْتُ عَلَيْهِ} .
يعني: بمجرد التلبس به كأنه صار عبادة ذات طرفين ابتداء وانتهاء، وإن كان في الحقيقة ليس له طرفان.
إذًا: يكون إطلاق القضاء في هذه الجزئية -الحج الفاسد- نقول: هذا من باب التوسع وليس من باب تحقيق الاصطلاحات، فلا يرد حينئذٍ نقضًا على الأصل.
قال: (وَفِعْلُ صَلَاةٍ بَعْدَ تَأْخِيرِ قَضَائِهَا لا يُسَمَّى قَضَاءَ الْقَضَاءِ) لو جاز له أن يقضي، حينئذٍ متى يقضي؟ نقول: الأمر على الفور، متى ما تعلق به قضاء وهو واجب لزمه منذ أن يتمكن أن يفعل، لو أخره هل يقال بأنه قضاء قضاء أو أنه قضاء مع الإثم؟ الثاني .. أنه قضاء مع الإثم؛ لأنه يتسلسل، فلو أخره مرة ثانية صار قضاء قضاء القضاء، ولو أخره مرة رابعة لصار قضاء قضاء قضاء القضاء، وهلم جرا.
فحينئذٍ نقول: للزوم التسلسل يُمنع.
قال: {لاَ يُسَمَّى قَضَاءَ الْقَضَاءِ لِتَسَلْسُلِهِ وَهُوَ مُمْتَنَعٌ} .
وإنما هو قضاء مؤخر يأثم إن كان متعمدًا لذلك.
ثم قال: (وَإِنْ حُدَّ) كيف حُد؟ يعني: وقت العبادة صار له ابتداء وانتهاء.
(وُصِفَتْ بِالثَّلاَثَةِ) ما هي الثلاث؟
الأداء، والقضاء، والإعادة.
لماذا؟ {لأَِنَّهَا إنْ فُعِلَتْ فِي وَقْتِهَا كَانَتْ أَدَاءً, وَإِنْ فُعِلَتْ بَعْدَهُ} لعذر وليس مطلقًا {كَانَتْ قَضَاءً، وَإِنْ تَكَرَّرَ فِعْلُهَا كَانَتْ مُعَادَةً} .
(سِوَى جُمُعَةٍ) استثنى الجمعة؛ فإن لها ابتداء ولها انتهاء.
{فَإِنَّهَا تُوصَفُ بِالأَدَاءِ وَالإعَادَةِ إذَا حَصَلَ فِيهَا خَلَلٌ وَأَمْكَنَ تَدَارُكُهَا فِي وَقْتِهَا, وَلاَ تُوصَفُ بِالْقَضَاءِ, لأَِنَّهَا إِذَا فَاتَتْ صُلِّيَتْ ظُهْرًا} .
إذًا قال: (وَإِنْ حُدَّ وُصِفَتْ بِالثَّلَاثَةِ سِوَى جُمُعَةٍ) فلا توصف بالثلاثة، وإنما توصف باثنين فقط وهما الأداء والإعادة، وأما القضاء فلا يتصور قضاء جمعة البتة، وإنما تعاد إما لخلل فيها أو إذا أعادها مرة أخرى؛ بأن صلى في مسجد ثم صلى في مسجد آخر، هذه إعادة، ولكنها لا توصف بالقضاء؛ لأنها إذا خرج الوقت صليت أربعًا.
إذا تقرر ذلك: (فَالْأَدَاءُ مَا فُعِلَ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ أَوَّلًا شَرْعًا، وَالْقَضَاءُ: مَا فُعِلَ بَعْدَ وَقْتِ الْأَدَاءِ) إلى آخره.
وليته قدم الحدود على معرفة ما يدخله الأداء والقضاء والإعادة؛ لأنه أولى بالتنصيص.
(فَالْأَدَاءُ) الفاء فاء الفصيحة، الأداء هو: (مَا) أي: عبادة، (فُعِلَ) ذكر باعتبار (مَا) .
(فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ) .
(مَا فُعِلَ) هذا جنس للأداء وغيره.