وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُعَاقَبُ عَلَى نَفْسِ الأَدْنَى يعني: تركَ الإطعامَ له عقاب خاص به، هل هو الذي يُعاقَب عليه مثل هذا العقاب أو هو العقاب بعينه؟ نقول: الأصل فيه أنه العقاب بعينه، هذا الأصل فيه، لماذا؟ لأنه وجب قدر مشترك ثم خصه بثلاثة أمور، فأدناها: الإطعام مثلًا، وحينئذٍ لو ترك الكفارة ولم يطعم ولم يكس ولم يحرر يُعاقب على أي شيء؟ على أدناها، بقدره أو بعقاب الترك نفسه؟ لا شك أنه هو الأصل .. في نفسه هو، ولذلك قال هنا -يعني لم يجر على الصواب-: أنه (لاَ يَأْثَمُ لَوْ تَرَكَهَا سِوَى بِقَدْرِ) يعني: {عِقَابِ أَدْنَاهَا} (لاَ نَفْسِ عِقَابِ أَدْنَاهَا) ، يعني كأنه يقول: عندنا أمران: عقاب الأدنى وهو مُعيَّن، ثم شيء آخر هو ليس عقاب الأدنى لكنه مثله .. مساوٍ له، الثاني هذا نحتاج إلى دليل في إثباته، لماذا؟ لأن"تعلَّق الوجوب"عرفنا أنه قدر مشترك، ثم عيَّنه في ثلاثة أشياء، فالأصل أنه إذا ترك الجميع أن يعاقب بترك الأدنى -نفسه هو-، وإن كان لم يكن معيَّنًا في نفسه، وأما كونه يعاقب على مقداره، هذا يحتاج إلى نص.
قال هنا: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُعَاقَبُ عَلَى نَفْسِ الأَدْنَى، لأَنَّ الْوُجُوبَ يَسْقُطُ بِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ: يُثَابُ عَلَى وَاحِدٍ وَيَأْثَمُ بِهِ.
وَقِيلَ: يَأْثَمُ عَلَى وَاحِدٍ لاَ بِعَيْنِهِ، كَمَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وما ذكره المصنف هنا في هذا القدر فيه نظر؛ لأنه إذا فعل الجميع قال ماذا؟ يثاب على أعلاها، وإذا ترك الجميع الأصل على هذا القياس أنه يُعاقب على أدناها، هو يقول: لا يُعاقب على أدناها، لماذا؟ لأنه لم يتعين أنه واجب، وإنما يُعاقب على مثل أدنى، أو مثل عقاب الأدنى، وهذا فيه تصريف في العبارة.
(تَنْبِيهٌ: الْعِبَادَةُ الطَّاعَةُ) .
(الْعِبَادَةُ) {هِيَ} (الطَّاعَةُ) .
{قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي آخِرِ"الْمُسَوَّدَةِ": كُلُّ مَا كَانَ طَاعَةً وَمَأْمُورًا بِهِ، فَهُوَ عِبَادَةٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ} عند الجمهور.
{وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: الْعِبَادَةُ: مَا كَانَ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ} يعني: كل ما كان طاعة ومأمورًا به فهو عبادة وإن لم يُشترط فيه النية، وعلى مذهب الحنفية: أنه لا تكون عبادة إلا بشرط النية، وأيهما أعم؟ الأول أعم؛ لأنه لا يُشترط فيه النية.
{فَدَخَلَ فِي كَلامِ أَصْحَابِنَا وَمَنْ وَافَقَهُمْ: الأَفْعَالُ وَالتُّرُوكُ، كَتَرْكِ الْمَعَاصِي وَالنَّجَاسَةِ وَالزِّنَا وَالرِّبَا وَكُلِّ مُحَرَّمٍ، وَالأَفْعَالُ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالزَّكَاةِ مَعَ النِّيَّةِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالْعَوَارِيّ وَالْوَدَائِعِ وَالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ وَلَوْ بِلاَ نِيَّةٍ} فتسمى عبادة، يعني: النفقة على الزوجة ولو بدون نية تسمى عبادة، رد الودائع والدَّين ولو بدون نية تسمى عبادة، تركُ النجاسات والبعد عنها يسمى عبادة ولو بدون نية، هذا على التعميم.