فهرس الكتاب

الصفحة 453 من 1890

قال: (وَمَأْمُورٌ بِهِ حَقِيقَةً) هذه مسألة أخرى: هل المندوب مأمور به أم لا؟

أولًا: الخلاف هنا ليس في كونه مأمورًا به أم لا، بل يكاد أن يكون الاتفاق أنه مأمور به بالفعل، لكن هل هو مأمور به حقيقة أو مجازًا؟

هذا محل النزاع، وإلا هو مأمور به قطعًا؛ لأن الندب يأتي بصيغة افعل، وصيغة افعل هذا طلب وهو أمر، لكن هل يصدق عليه أنه أمر حقيقة أم أنه مجاز؟ هذا محل النزاع.

{مَأْمُورٌ بِهِ حَقِيقَةً} يعني: لا مجازًا.

عِنْدَ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِمَا.

وَحَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ عُلَمَاءِ الأُصُولِ وَالْفُقَهَاءِ بأن المندوب مأمور به حقيقة لا مجازًا.

لماذا؟ أولًا: {لِدُخُولِهِ فِي حَدِّ الأَمْرِ} فيصدق عليه حد الأمر، وإذا صدق عليه حد الأمر الآتي ذكره إن شاء الله تعالى فحينئذٍ نقول: المندوب مأمور به.

ثانيًا: {لانْقِسَامِ الأَمْرِ إلَيْهِمَا} .

لأن الأمر قسمان: أمر جازم، وأمر غير جازم.

الأمر الجازم الواجب، والأمر غير الجازم المندوب.

إذًا: ينقسم الأمر إلى أمرين:

أمر جازم أي: في تركه العقاب وهو الواجب.

أمر غير جازم أي: لا عقاب في تركه وهو المندوب.

إذًا: صدق على كل منهما أنه أمر، وانقسم الأمر إلى النوعين، والدليل على شمول الأمر للمندوب قوله تعالى: (( وَافْعَلُوا الْخَيْرَ ) ) [الحج:77] ومنه المندوب، ومر معنا استطرادًا أن"افعلوا"هذا مثال لما صح أن يستعمل في حقيقته ومجازه؛ لأن صيغة افعل حقيقة في الوجوب، مجاز في الندب.

هنا مسألتان:"أَمَرَ"إطلاق اللفظ، هل يصح أن يصدق على المندوب حقيقة أو مجازًا؟ المراد به أَمَرَ، وليس صيغة افعل، هذا شأن آخر، فصيغة افعل حقيقة في الوجوب لكنها مجاز في الندب، فقوله تعالى: (( وَافْعَلُوا الْخَيْرَ ) ) [الحج:77] يصدق على الواجب والمندوب، كيف صدق على الواجب والمندوب وصيغة افعل حقيقة في الوجوب مجاز في الندب؟ نقول: يجوز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه معًا في آن واحد، وهذا الدليل واضح بيّن، واستدل به الإمام أحمد على ما ذكر.

إذًا: (( وَافْعَلُوا الْخَيْرَ ) ) [الحج:77] ومنه المندوب، (( وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ ) ) [لقمان:17] ومنه المندوب، وقوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ) ) [النحل:90] قال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُر، وهذا مأخوذ من الأمر: أَمَرَ يأمرُ، قال: بِالْعَدْلِ. والعدل كله واجب، ليس فيه مستحب، ليس عندنا عدلٌ واجب وعدلٌ مستحب، بل كله واجب.

ثم قال: (( وَالإِحْسَانِ ) )يعني: يأمر بالإحسان.

يعني: أمر بالإحسان، والإحسان منه واجب ومنه مندوب.

إذًا:"أَمَرَ"تعلق بالمندوب.

(( وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ) ) [النحل:90] منه واجب ومنه مندوب.

إذًا: يأمر بإيتاء ذي القربى، فتعلق أَمَرَ هنا بالمندوب، فدل ذلك على أن أَمَرَ كما أنه يصدق على الواجب كذلك يصدق على المندوب، والأصل في استعمال اللفظ هو الحقيقة لا المجاز، وهذا واضح بيّن.

إذًا: لدخوله في حد الأمر هذا أولًا.

ثانيًا: لانقسام الأمر إليهما، يعني: أمر إيجاب وأمر استحباب.

ثالثًا: هو مستدعىً ومطلوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت