قال: {فَشَمِلَ الأَحْكَامَ الْخَمْسَةَ: لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا حُكْمٌ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ} .
فحينئذٍ تشمل العزيمة جميع الأحكام التكليفية؛ نظرًا إلى أنها أصول مشروعة من الله تعالى، وما كان أصلًا مشروعًا من الله فهو الحق له سبحانه على العباد، فعليهم اعتقاد ذلك وامتثاله بحسب درجته في الطلب أو الترك، فتكون بذلك كلها عزائم، فيعتقد ما أراده الله عز وجل؛ لأننا نقول: العزيمة قصدٌ مؤكد، فيعتقد ما أمره الله تعالى به من الإيجاب، بأنه يجب عليه كذا ويمتثله والحق قول الله تعالى، وكذلك مدلول الندب، وكذلك مدلول المكروه والمحرم.
يجب أن يعتقد أن هذه أمور شرعية أراد الله عز وجل منها ابتلاء العباد، وحينئذٍ ليس عليه إلا السمع والطاعة.
قال: {فَيَكُونُ فِي الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ عَلَى مَعْنَى التَّرْكِ} .
ولا شك، لأن الحرام ترك، والمكروه ترك.
{فَيَعُودُ الْمَعْنَى فِي تَرْكِ الْحَرَامِ إلَى الْوُجُوبِ} على القاعدة السابقة: ما لا يتم ترك الحرام إلا به فهو واجب.
فَمَا بِهِ تَرْكُ المُحَرَّمِ يَرَى ... وُجُوبُ تَرْكِهِ جَمِيْعُ مَنْ دَرَى
على القاعدة السابقة.
قال: (حُكْمٌ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ) لا بد أن يكون ثابتًا بدليل شرعي احترازًا عن العقل، فالعقل لا مدخل له في التشريع، العقل إنما يستنبط فقط فيما أُذن له أن يستنبط، وأما أنه يكون مصدرًا للتشريع فلا يكون كذلك.
{فَإِنَّ ذَلِكَ لاَ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْعَزِيمَةُ وَالرُّخْصَةُ} .
(خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ) يعني: لا يخالفه دليل شرعي آخر.
وأكثر الأحكام الشرعية هي عزائم، الصلوات الخمس ليس فيها ما يخالفها .. هي واجبة، وكذلك الصوم، وكذلك وجوب الزكاة، كذلك الحج .. قُل غير ذلك في كثير من الأحكام الشرعية، هي سالمة عن المعارض. وإنما الرخص هذه تناط بأحكام معينة ينظر فيها.
(خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ) يعني: لا يخالفه دليل شرعي آخر.
{احْتِرَازٌ عَمَّا يَثْبُتُ بِدَلِيلٍ، لَكِنْ لِذَلِكَ الدَّلِيلِ مُعَارِضٌ، إِمَّا مُسَاوٍ أَوْ رَاجِحٌ} .
فحينئذٍ تكون القسمة ثلاثية: إما أن يعارضه دليل مرجوح فلا يُلتفت إليه، وإما أن يعارضه دليل مساو أو راجح، فالنظر يكون في ماذا؟ المرجوح هذا ساقط، فلو دل الدليل الشرعي على وجوب أمر ما وخالفه دليل ضعيف لم يثبت من جهة السند، فحينئذٍ نقول: هذا عارضه لكنه دليل مرجوح.
فكل حكم شرعي ثبت بدليل شرعي صحيح ثابت خالفه دليل ضعيف دل على نقيض حكمه، فحينئذٍ نقول: هذا خالفه دليل مرجوح فلا يلتفت إليه، ويبقى الراجح هو الراجح.
وإنما يبقى الإشكال في ماذا؟ إذا خالفه دليل مساوٍ أو دليل راجح.
{لأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُعَارِضُ مُسَاوِيًا لَزِمَ الْوَقْفُ} إذا تساويا لزم الوقف ليس ابتداء، وإنما ينظر في الجمع بينهما، هذا الأصل فيه.