والثاني الذي هو المكروه -رخصة مكروهة-: بالقصر في أقل من ثلاث مراحل؛ لأنه يدفع به الخلاف، كما قال المذهب هناك: أن الجمع مباح وليس بسنة دفعًا للخلاف .. لورود الخلاف فيه، يعني: ارتفعت السنية لمجرد الخلاف.
وهنا ارتفعت السنية عن أقل من ثلاث مراحل لوجود الخلاف، هذه طريقة لبعض الفقهاء.
وكذا: اتباع النساء الجنائز وأجابوا عن ذلك.
وعُلم مما تقدم: أن ما لم خالف دليلًا كاستباحة المباحات، وعدم وجوب صوم شوال لا يسمى رخصة. وإنما يقال: الأصل عدم التكليف.
حينئذٍ يكون فيه تيسير، لكن التيسير هنا من ماذا؟ كما هو الشأن في وضع الآصار التي هي على الأمم السابقة.
{وَعُلِمَ} أيضًا {مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ مَا خُفِّفَ عَنَّا مِنْ التَّغْلِيظِ الَّذِي كان عَلَى الأُمَمِ قَبْلَنَا لَيْسَ بِرُخْصَةٍ شَرْعِيَّةٍ، لَكِنْ قَدْ يُسَمَّى رُخْصَةً مَجَازًا} والأصل هو الشرعية.
{بِمَعْنَى أَنَّهُ سُهِّلَ عَلَيْنَا مَا شُدِّدَ عَلَيْهِمْ، رِفْقًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَةً بِنَا مَعَ جَوَازِ إيجَابِهِ عَلَيْنَا} يجوز أن يوجب علينا ما أوجبه على من سبق، بدليل: أنه أوجبه على من سبق وهو حكم شرعي، وما جاز فيمن سبق جاز علينا، لكنه خفف جل وعلا علينا.
{لاَ عَلَى مَعْنَى أَنَّا اسْتَبَحْنَا شَيْئًا مِنْ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِمْ، مَعَ قِيَامِ الْمُحَرِّمِ فِي حَقِّنَا؛ لأَنَّهُ إنَّمَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لاَ عَلَيْنَا. فَهَذَا وَجْهُ التَّجَوُّزِ، وَعَدَمُ كَوْنِ الأَوَّلِ لَيْسَ بِرُخْصَةٍ، لأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ} .
والصواب: أنه لا يقال حتى مجازًا؛ لأن الرخصة متعلَّقها الحكم الشرعي باعتبارنا نحن .. باعتبار هذه الأمة، هذه أوصاف: عزيمة .. رخصة .. واجب باعتبار أحكام هذه الأمة، وأما ما كان فيمن سبق هذا لا يلتفت إليه البتة.
ثم قال: (وَالِاثْنَتَانِ وَصْفَانِ لِلْحُكْمِ) يعني: لا للفعل.
(الِاثْنَتَانِ) ما هما؟ الْعَزِيمَةُ وَالرُّخْصَةُ.
(وَصْفَانِ لِلْحُكْمِ) يعني: لا لِلْفِعْلِ على الصحيح، وعليه الأكثر.
{فَتَكُونُ الْعَزِيمَةُ بِمَعْنَى التَّأْكِيدِ فِي طَلَبِ الشَّيْءِ، وَتَكُونُ الرُّخْصَةُ بِمَعْنَى التَّرْخِيصِ} .
يعني: رُخّص في الحكم، ولذلك عبّرنا فيما سبق: حُكْمٌ غُيَّرَا، إذًا: الوصف لأي شيء؟ للحكم الشرعي.
{وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: } وليس القبول هنا للفعل وإنما للوصف.
{وَمِنْهُ قَوْلُ أُمِّ عَطِيَّةَ: نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا} .
وَقِيلَ: هُمَا وَصْفَانِ لِلْفِعْلِ المرخص فيه أو المعزوم عليه ولو كان تركًا أي: المطلوب بالعزم والتأكيد.
واختاره الرازي وابن الحاجب.
ثم اختلف القائلون بأنهما وصف للحكم: هل هما وصفان للحكم الوضعي أم وصفان للحكم التكليفي؟
قلنا: الأول هو المرجح، وهو الذي قدمه المصنف هنا.