فهرس الكتاب

الصفحة 556 من 1890

قال القرطبي في الآية: هذا خبرٌ جزمٌ نصٌّ من الله تعالى على أنه لا يكلف العباد من وقت نزول الآية عبادةً من أعمال القلوب أو الجوارح إلا وهي في وسع المكلَّف، وفي مقتضى إدراكه، وبهذا انكشفت الكربة من المسلمين في تأولهم أمر الخواطر. -أول ما جاء الأمر-.

إذًا: (( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا ) )هذا فيه نفي عن التكليف بما لا طاقة له فيه البتة.

وهنا فائدة عرضية: بعضهم منع أن يقال: تكاليف في العبادات، نقول: هنا الله عز وجل قال: (( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا ) )مفهوم المخالفة: أنه كلفه بما في وسعه، وما الذي كلفه بما في وسعه؟ العبادات، حينئذٍ يصح أن نقول عن العبادات بأنها تكاليف، لا إشكال فيها.

وهذا اللفظ"تكليف"جاء في الشرع (( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا ) )حينئذٍ التكليف هنا: إلزام ما فيه مشقة، أو طلب ما فيه مشقة، على ما مضى.

فحينئذٍ نقول: جاء اللفظ في الشرع، فإطلاق مثل هذه الألفاظ -أو هذا اللفظ على جهة التعيين- على العبادات لا إشكال فيه، وقد منعه ابن القيم ورأى أنه ليس بجيد، لكن محجوج بهذه الآية؛ لأنه من حيث اللفظ واضح، ومن حيث المفهوم حينئذٍ نقول: يطلق على ما في وسعه أنه تكليفٌ، ولم يأمره إلا بالعبادات، دل على أن التكليف يصح إطلاقه على العبادات.

إذًا: دلّت هذه الآية بمنطوقها على نفي التكليف بما لا يطاق، ودلت بمفهومها أنه متى ما أطاق فهو مكلف.

وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ: (( وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ) )، اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَةِ. وَقَالُوا: لا نُطِيقُهَا، وَفِيهِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَسَخَهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (( لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) ) [البقرة:286] }.

إذًا: هذه الآية ناسخة للآية السابقة.

{وَفِيهِ عَقِبَ كُلِّ دَعْوَةٍ} من الدعوات السابقة ومنها أنه قال: (( رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ) ) [البقرة:286] قال الله تعالى: نعم. وفي رواية: قال: قد فعلتُ.

لكن هذا الدليل دليلٌ شرعي دل على أن الله تعالى لا يكلف بما ليس في طاقة المكلَّف، لكن الدليل العقلي، نقول: الدليل العقلي على منع التكليف بالمحال لذاته أن الأمر -يعني: الذي هو متعلق الخطاب: أمرٌ أو نهي- أن الأمر: استدعاء وطلب.

الأمر .. إذا أمر الباري بشيء استدعى وطلب .. استدعاء وطلب.

والطلب يستدعي مطلوبًا، إذًا: استدعاء ومستدعى، طلب ومطلوب.

وينبغي أن يكون مفهومًا بالاتفاق، هذا المطلوب الذي تتعلق به قدرة المكلَّف يجب أن يكون مفهومًا بالاتفاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت