فهرس الكتاب

الصفحة 558 من 1890

ولذلك قال بعض أصحابنا ردًا على من استدل بهذه الآية: (( وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ) ) [البقرة:286] يعني: التكليف بالمحال، الذي هو المستحيل العقلي .. الجمع بين الضدين، وإعدام القديم وإيجاد الشيء .. هذا ما يتصور في عهد الصحابة أصلًا.

ويستبعد أن أذهانهم الصافية التي هي قائمة على الكتاب والسنة أن يرد في أذهانهم مثل هذه الأَشْبَه أن تكون بالعبث وليس بالحقائق العلمية.

{قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ مَا يَثْقُلُ وَيَشُقُّ} (( وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ) ) [البقرة:286] يعني: ما يثقلُ ويشقُّ بحيث يكاد يفضي إلى إهلاكه.

{كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَمْلُوكِ: } .

يعني: ما تتعلق به القدرة، ولا يكون فيه مشقة عظيمة عليه.

{رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَكَقَوْلِهِ: } .

إذًا: ليس محالًا، الحديث مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

إذًا: هذا الاعتراض بالآية على أنه يجوز التكليف بالمحال لأنهم دعوا ربهم أن يرفع عنهم هذا الذي لا يطيقونه، نقول: هذا تفسير للفظ بالمعنى الاصطلاحي.

ومن هنا تأتي الغلطات والأخطاء العلمية عند كثير من المتأخرين، وهو أنه ينزّل على الكتاب والسنة المصطلحات التي عنوَن لها المتأخرون، ثم فسروا النصوص بها وجاء الغلط.

قال المصنف:

{وَحَيْثُ قِيلَ بِجَوَازِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ، فَعِنْدَ الأَكْثَرِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ} كما ذكرنا، وقيل: أنه واقع. على خلاف بينهم، والصواب أنه ليس بواقع.

إذا قلنا بأنه ممنوع حينئذٍ لا تأتي عندنا المسألة هذه، إذا قلنا: لا يجوز ولا يكلف الباري جل وعلا بما لا طاقة لنا به عقلًا، حينئذٍ لا يأتي الخلاف: هل هو واقعٌ شرعًا أم لا؟

قال: (وَلَا بِغَيْرِ فِعْلٍ) يعني: لا يصح التكليف بغير فعل؛ لأنه قال: هناك ماذا؟ أن الفعل هو متعلق التكليف، فحينئذٍ"لا تكليف إلا بفعلٍ"قاعدة أصولية.

"لا تكليف إلا بفعل"هذه قاعدة أصولية، وانتبه هنا إلى أن أكثر مسائل أصول الفقه هي قواعد، لكن بعضها لا توضع في كتب القواعد الأصولية، بعضهم يعترض يقول: الأصوليون لا يذكرون جميع القواعد في كتب القواعد، وإنما يذكرون بعض القواعد وتُرك كثيرٌ منها في كتب الأصول وتحتاج إلى إخراج وإلى إبراز. نقول: لا. هم تركوا بعض التأصيلات عمدًا، وإنما يذكرون القواعد التي عليها العمل، التي يستفيدها الفقيه ويطبقها، وأما القواعد التي لا يستفيدها وإنما هي من باب التأصيل، فهذه تبقى في محلها، يدرسها العالم، ويدرسها طالب العلم ثم يأخذ ما يحتاجه عمليًا. مثلًا:"لا تكليف إلا بفعل"هذا أين يطبقها في الكتاب والسنة؟ وإنما هو تفسير للأفعال التي يتعلق بها الخطاب فقط، وأما من حيث استخراج واستنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية هذا لا مفهوم للقاعدة فيها، وإنما هو تأصيلٌ لتأصيل آخر، فيُنظر فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت