إذًا: القاتل فعل، فهو داخل في الفعل الصريح، والمقتول لم يفعل، ومع ذلك رتب عليه دخول النار، ولا دخول النار إلا بفعلٍ فعَلَه، ما هو هذا الفعل؟ حريص على قتل صاحبه، وهذا الحرص هو العزم المؤكد.
إذًا:"لا تكليف إلا بفعلٍ اختياري"احترازًا عن الفعل القهري والاضطراري فلا يتعلق به تكليفٌ البتة، وسيأتي حكم الملجأ.
ثانيًا: هذه الأفعال الاختيارية أربعة بالاستقراء. الأول: الفعل الصريح. والثاني: فعل اللسان، والثالث: الترك. والرابع: العزم المصمِّم.
قال: (وَلَا بِغَيْرِ فِعْلٍ) يعني: لا يصح التكليف بغير فعلٍ .. فلا تكليف إلا بفعلٍ، وله شرط -هذا الفعل-.
(وَشُرِطَ عِلْمُ مُكَلَّفٍ حَقِيقَتَهُ، وَأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَمِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُهُ) هذه شروط وقيود لهذا الفعل حتى يصح أن يقال: أن هذا الأمر مكلفٌ به.
الأول: العلم، لا بد أن يعلمه، ولذلك قال: (عِلْمُ مُكَلَّفٍ حَقِيقَتَهُ) يعني: حقيقة ماذا؟ حقيقة الفعل الذي كُلِّف به، فيعلم حقيقة الصلاة: ما هي الصلاة؟ كيف تقام الصلاة؟ ما هي شروط الصلاة؟ لو قيل له: صلِّ ولم يدر ما الصلاة، هل صح التكليف؟ لم يصح، مع كون الصلاة في نفسها .. في واقع الأمر هي فعل من أفعال المكلَّف، لكن لعدم علمه نقول: لا يصح أن يكلف بذلك.
إذًا: الشرط الأول: (عِلْمُ مُكَلَّفٍ حَقِيقَتَهُ) يعني: حقيقة الفعل الذي كُلِّف به.
فيعلم حقيقة الصلاة يعني: كيفيتها؛ لأن التكليف بالمجهول من تكليف ما لا يطاق، انتبه! ثَم مسائل تتفرع على المسألة السابقة، إذا قيل: يجوز أن يكلفه بما لا علم له به، نقول: لا، هذا من التكليف بما لا يطاق، كيف يقال له: صلِّ، ولم يبين له الصلاة؟ كيف يأمره بالحج ولم يبين له ما هو الحج؟ ما يعرف من الحج إلا القصد، فكيف حينئذٍ يؤمر بذلك؟
نقول: التكليف بالمجهول تكليف بما لا يطاق، ومر معنا أنه ممنوعٌ عقلًا وشرعًا.
إذًا: كل فرعٍ ينبني على هذا أو يرجِع إليه، فحينئذٍ نقول: الأصل فيه المنع.
لأن التكليف بالمجهول من تكليف ما لا يطاق؛ إذ لو قيل للمكلف -وهذا مثال أورده ابن قدامة- إذ لو قيل للمكلف افعل ما أُضمِر في نفسي أنك تفعله وإلا قتلتك أو عاقبتك.
افعل ما أضمرته في نفسي أنك تفعلُه وإلا عاقبتك، ماذا يصنع؟
لا يصح التكليف هذا، لماذا؟ لأنه محال، حينئذٍ نقول: هذا ممنوع، فهذا ليس في طاقته.
قال هنا: فيعلم حقيقته وَإِلاَّ لَمْ يَتَوَجَّهْ قَصْدُهُ إلَيْهِ. كيف يقصده؟ هذا ممنوع.
{لِعَدَمِ تَصَوُّرِ قَصْدِ مَا لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ} ولو فرَّع المصنف هنا المسألة على: تكليف ما لا يطاق والتكليف المحال لكان أولى.
{وَإِذَا لَمْ يَتَوَجَّهْ قَصْدُهُ إلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ وُجُودُهُ مِنْهُ؛ لأَنَّ تَوَجُّهَ الْقَصْدِ إلَى الْفِعْلِ مِنْ لَوَازِمِ إيجَادِهِ. فَإِذَا انْتَفَى اللاَّزِمُ وَهُوَ الْقَصْدُ انْتَفَى الْمَلْزُومُ، وَهُوَ الإِيجَادُ} .
يعني: لا بد أن يعلمه ليتوجه إليه القصد؛ لأن ما لا يُعلم يستحيل أن يتوجه إليه القصد، كيف يوجد دون قصد؟ هذا ممنوعٌ عقلًا.