فهرس الكتاب

الصفحة 569 من 1890

والمراد هنا بكون هذين الشرطين لصحة التكليف: أن يكون الآدمي وقت التكليف بالخطاب عاقلًا فاهمًا، بمعنى أنه إذا زالت الشمس، أما قبل الزوال فلا يُنظر إليه، باعتبار صلاة الظهر مثلًا إذا زالت الشمس حينئذٍ نُظر إلى الآدمي، إن كان معه عقله ويفهم الخطاب فهو مكلف وإلا فلا.

إذًا: تجعل هذه القاعدة معك: إذا التبس عليك الأمر هل هو مكلف أم لا؟ حينئذٍ ترجع إلى الأصل، وهو: هل تحقق فيه الشرطان أم لا؟

إن تحقق فيهما الشرطان بأنه عاقلٌ ليس بمجنون ولا معتوه، وكذلك يفهم الخطاب يعني: ليس بنائم وليس بصبي ونحو ذلك .. فحينئذٍ تقول هذا مكلف وإلا فلا.

قال: {فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَقْلُ وَفَهْمُ الْخِطَابِ} من جهة التعليل كذلك هو تعليل صحيح، لا يمكن رده مع الدليل السابق.

وذلك {لأَنَّ التَّكْلِيفَ خِطَابٌ} خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلَّف.

{وَخِطَابُ مَنْ لا عَقْلَ لَهُ وَلا فَهْمَ مُحَالٌ} فإذا وجِّه الخطاب إلى من لا يفهم أو من لا عقل له، حينئذٍ نقول: هذا تكليف المحال وليس تكليف بالمحال وإنما تكليف المحال؛ لأن العبرة هنا المحال أن يكون راجعًا للمأمور نفسه لا للمأمور به، فحينئذٍ نقول: هذا كمن خاطب شجرة بالصلاة، كمن خاطب جدارًا بالصلاة، نقول: يمتنع، كذلك من لا عقل له ولا فهم حينئذٍ يمتنع منه التكليف.

كالجماد والبهيمة -هكذا قال في التحبير-: وخطاب من لا عقل له ولا فهم محالٌ كالجماد والبهيمة.

{وَلأَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ مَطْلُوبٌ حُصُولُهُ مِنْ الْمُكَلَّفِ طَاعَةً وَامْتِثَالًا؛ لأَنَّهُ مَأْمُورٌ بهِ، وَالْمَأْمُورُ يَجِبُ أَنْ يَقْصِدَ إيقَاعَ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الطَّاعَةِ وَالاِمْتِثَالِ، وَالْقَصْدُ إلَى ذَلِكَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ الْفَهْمِ} .

يفهم أولًا، أولًا يكون عنده عقل، ثم يفهم ثانيًا، ثم يقصد، وأما من لا فهم له حينئذٍ يتعذر منه القصد، فكيف يوقع الطاعة على وجه الامتثال؟ هذا ممتنع.

{وَالْمَأْمُورُ يَجِبُ أَنْ يَقْصِدَ إيقَاعَ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الطَّاعَةِ وَالامْتِثَالِ، وَالْقَصْدُ إلَى ذَلِكَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ الْفَهْمِ؛ لأَنَّ مَنْ لا يَفْهَمُ لاَ يُقَالُ لَهُ: افْهَمْ} .

نائم تقول له: افهم؟ سكران تقول له: افهم؟ مجنون تقول له: افهم؟ صبيٌ رضيع تقول له: افهم؟ هذا لا يفهم، يتعذر منه الفهم، فسقط في حقه الشرط الثالث.

{وَلا يُقَالُ لِمَنْ لَمْ يَسْمَعْ: اسْمَعْ} هذا تنظير .. مثله.

يعني: كما أنه لا يقال لمن لا يسمع: اسمع، وللأعمى لا يقال له: أبصر، كذلك الذي لا يفهم لا يقال له: افهم، فإذا قلت له: افهم، كما لو قلت للذي لا يرى .. لا يُبصر: أبصر، فخاطبته بما لا قدرة له عليه، وحينئذٍ رجع إلى التكليف بالمحال، أو تكليف المحال.

هذا تعليل جيد وذكره ابن قدامة في روضة الناظر، نقله كما هو الشارح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت