وَنَقَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي النُّونِيَّةِ: أَنَّ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ رَدَّ كَلامَ النَّفْسِ مِنْ تِسْعِينَ وَجْهًا في التسعينية، وهو مطبوع
وَقَالَ الْحَافِظُ شِهَابُ الدِّينِ ابْنُ حَجَرٍ، فِي"شَرْحِ الْبُخَارِيِّ"فِي بَابِ كَلامِ قَوْلِهِ: (( أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ ) ) [النساء:166] .
وَالْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
هذا إجماع السلف، بل هو من المعلوم من الدين بالضرورة، ولذلك من قال بأن القرآن مخلوق كافر مرتد عن الإسلام؛ لأنه مكذِّبٌ للإجماع القطعي الصحيح.
وَالْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ: اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، تَلَقَّاهُ جِبْرِيلُ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبَلَّغَهُ جِبْرِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَبَلَّغَهُ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم إلَى أُمَّتِهِ.
وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَالُوا عَنْ الْقُرْآنِ: مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ.
إذًا: القرآن هو كلام الله تعالى حقيقة تكلم به بصوت وحرف، وهذا محل وفاق بين أهل السنة والجماعة، والمصنف أطال النفس في تقرير هذه المسألة، لكنه في بعض المسائل جانب الصواب.
قال: (وَالْكِتَابَةُ كَلَامٌ حَقِيقَةً) يعني: وصَفنا القرآن بأنه كلام الله تعالى، فلما كُتب في المصاحف هل خرج عن كونه كلامًا أم لا؟ عرفتم الآن الترتيب؟
قلنا: القرآن كلام الله تعالى حقيقة وهو تكلم به بحرف وصوت، لكن الذي موجود بين أيدينا هو المكتوب بين دفتي المصحف، هل بكتابتنا للقرآن خرج عن كونه كلام الله تعالى؟ الجواب: لا. بإجماع السلف.
ولذلك قال: (وَالْكِتَابَةُ كَلَامٌ حَقِيقَةً) فنقول: هذا كلام الله تعالى. حقيقة أو مجاز؟ حقيقة لا مجازًا؛ لأنه لم يخرج بالكتابة عن كونه كلام الله تعالى، كما لم يخرج بالتلاوة -تلاوة المخلوق له- عن كونه كلام الله تعالى، وهذا محل وفاق، ولا إشكال فيه.
{وَالْكِتَابَةُ كَلامٌ حَقِيقَةً لِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: مَا بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمُصْحَفِ كَلامُ اللَّهِ} وهذا محل إجماع.
{وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَسْنَا نَشُكُّ أَنَّ الْقُرْآنَ فِي الْمُصْحَفِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لاَ عَلَى الْمَجَازِ لاَ كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الْكَلامِ: إِنَّ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ دَلِيلٌ عَلَى الْقُرْآنِ} وليس هو القرآن، ومن أنكره أنكر القرآن.
{هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي عِنْدَنَا هُوَ كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى غَيرُ مَخْلُوقٍ؛ فَإِنَّهُ مَسْمُوعٌ مَقْرُوءٌ مَتْلُوٌّ مَحْفُوظٌ. وَكَيْفَمَا قُرِئَ وَتُلِيَ وَسُمِعَ وَحُفِظَ وَكُتِبَ فَهُوَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ} . كيفما تصرف فيه المخلوق فهو كلام الله تعالى، سواء بحفظه أو بتلاوته أو بكتابته، فلا يخرج عن ذلك .. عن كونه كلام الباري جل وعلا.