فهرس الكتاب

الصفحة 633 من 1890

حينئذٍ على هذا القول، نقول: يثبت كونه حجة، لماذا؟ لأنه إذا ارتفع كونه قرآنًا لا يلزم منه ارتفاع الحكم، وهذا محل إجماع، أنه قد يُرفع القرآنية -التلفظ اللفظ ونحوه-، لكن يبقى الحكم على ما هو عليه، ابن القيم ينزِّل قاعدة على هذا القول الذي أُسند إلى الصحابة.

قال: إما أن يكون نقله قرآنًا أو خبرًا، قلنا: بل قرآنًا صريحًا.

قولكم: فكان يجب نقله متواترًا، قلنا: حتى إذا نُسخ لفظه أو حكمه.

أما الأول فممنوع، والثاني مسلَّم، وغاية ما في الأمر -هنا الشاهد- وغاية ما في الأمر: أنه قرآن نُسخ لفظه وبقي حكمه، فيكون له حكم قوله: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما.

مما اكتفي بنقله آحادًا وحكمه ثابت، وهذا مما لا جواب له. قاله في زاد المعاد، الجزء الخامس، ثلاثة وسبعين وخمسمائة.

إذًا: يرى ابن القيم أن هذه"متتابعات"وغيرها"أيمانهما"أنها قرآن ولكنها منسوخة، يعني: لم يثبت كونها قرآنًا فرجعنا إلى الأصل.

قال هنا: {وَقَوْلُ الْمُخَالِفِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَذْهَبٌ لَهُ، ثُمَّ نَقَلَهُ قُرْآنًا خَطَأٌ} هذا من أفسد ما يكون.

يعني: كأن الصحابة لا يميزون بين القرآن وغيره! هذا تهمة، هذا طعن في الصحابة، طعن في دينهم، لماذا؟

لأنه إذا كان الصحابي يخطئ فينقل القرآن على أنه مذهب له، يعني: ما هذا البلاغة التي بلغت عنده حتى يلتبس عليه القرآن بغيره، فيخطئ فينقله على أنه قرآن!

ثم فيه تهمة أنهم ما حفظوا القرآن ولا اعتنوا به، وهذا باطل .. من أبطل ما يكون.

{يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَذْهَبٌ لَهُ، ثُمَّ نَقَلَهُ قُرْآنًا خَطَأً؛ لِوُجُوبِ تَبْلِيغِ الْوَحْيِ عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَنْ يَحْصُلُ بِخَبَرِهِ الْعِلْمُ مَرْدُودٌ} هذا القول مردود.

{إِذْ نِسْبَةُ الصَّحَابِيِّ رَأْيَهُ إِلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ لاَ يَلِيقُ بِهِ. فَالظَّاهِرُ صِدْقُ النِّسْبَةِ، وَالْخَطَأُ الْمَذْكُورُ إِنْ سُلِّمَ لاَ يَضُرُّ؛ إذْ الْمُضِرُّ حينئذٍ كَوْنُهُ قُرْآنًا لاَ خَبَرًا} فلا يجوز ظن مثل هذا بالصحابة البتة، لا يجوز أن يُظن بالصحابة أنهم أخطئوا فنقلوا مذاهبهم على أنها قرآن، هذا فيه تهمة وفيه افتراء على الصحابة؛ إذ هو افتراء على الله تعالى وكذب عظيم؛ إذ هو جعلُ رأيه قرآنًا.

قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: قَالَ: الْخَصْمُ: لَمْ يُصَرَّحْ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا، ثُمَّ لَوْ صُرِّحَ فَعَدَمُ شَرْطِ الْقِرَاءَةِ لاَ يَمْنَعُ صِحَّةَ سَمَاعِهِ.

فَنَقُولُ: هُوَ مَسْمُوعٌ مِنْ الشَّارِعِ. وَكُلُّ قَوْلِهِ حُجَّةٌ. وَهَذَا وَاضِحٌ.

وَعَنْ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ رِوَايَةٌ: لَيْسَ بِحُجَّةٍ.

لأن ناقلها لم ينقلها إلا على أنها قرآن، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وإذا لم يثبت قرآنًا لم يثبت خبرًا، قال النووي: إنه مذهب الشافعي.

إذًا: المسألة فيها قولان، والصحيح أنه يعتبر حجة على ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى، الخلاف في كونه قرآنًا، ولم يثبت أنه قرآن، سواء جعلناه قرآنًا منسوخًا أو لا، وإنما العبرة بما دل عليه من حيث الحكم الشرعي، وحينئذٍ يأخذ حكم الأخبار .. أخبار الآحاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت