قال: (اتِّفَاقُ) هذا يكون منه المصنف رحمه الله تعالى رجّح أن العزم هنا بمعنى الاتفاق؛ لأنه لا يأخذ جنسًا في الحد الاصطلاحي إلا ما ثبت أنه المعنى اللغوي، فدل على أن المصنف رجّح أن الإجماع بمعنى الاتفاق.
قال: (اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي الأُمَّةِ) (اتِّفَاقُ) هذا جنس، وفسّره في التحبير باتحاد الاعتقاد.
وعليه حينئذٍ إذا كان جنسًا فيعم الأقوال، والأفعال، والسكوت، والتقرير. فدخلت هذه الأنواع الأربعة من أجل أن يدخل فيه الإجماع السكوتي، والإجماع القولي .. النطقي.
فحينئذٍ يكون الحد جامعًا لجميع أنواع الإجماع.
إذًا: (اتِّفَاقُ) أي: اتحاد اعتقاد (مُجْتَهِدِي الأُمَّةِ) فحينئذٍ إذا اتحد الاعتقاد شمل القول، والفعل، والسكوت، والتقرير. فالحد الجامع بين هذه الأمور الأربعة هو الاعتقاد.
{وَاحْتَرَزَ بِالاِتِّفَاقِ عَنْ الاِخْتِلاَفِ} فلا يكون حينئذٍ إجماعًا مع الاختلاف. هذا قيدٌ أول وهو جنسٌ في التعريف.
(اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي الأُمَّةِ) احترازٌ عن غير المجتهد، فلا يُعتبر في الإجماع على الصحيح.
{فَلاَ يَكُونُ اتِّفَاقُ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ مِنْ أُصُولِيٍّ وَفُرُوعِيٍّ وَنَحْوِيٍّ} إجماعًا، سينص عليه فيما يأتي.
{وَلاَ مَنْ لَمْ يَكْمُلْ فِيهِ شُرُوطُ الاِجْتِهَادِ إجْمَاعًا} لأنه قال: (مُجْتَهِدِي) ولا يطلق الاجتهاد إلا على من كمُلت فيه آلة الاجتهاد، فمن لم تكمل فيه الآلة حينئذٍ لا يُعتبر قوله في الإجماع.
{وَلاَ تَقْدَحُ مُخَالَفَتُهُ فِي انْعِقَادِ الإِجمَاع} كذلك.
واحترز بقيد: (الأُمَّةِ) .. (مُجْتَهِدِي الأُمَّةِ) {الْمُنْصَرِفِ إطْلاَقُ لَفْظِهَا إلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم عَنْ اتِّفَاقِ مُجْتَهِدِي بَقِيَّةِ الأمم} وسينص عليه فيما يأتي.
وقوله: (مُجْتَهِدِي) هذا جمع مضافٌ إلى الأمة، والجمع أقله ثلاثة، ويقتضي حينئذٍ أنه لو لم يكن في العصر إلا مجتهدان لا يكون قولهما إجماعًا، (مُجْتَهِدِي الأُمَّةِ) يعني: يرِد على المصنف أن قوله: (مُجْتَهِدِي) هذا جمع، وأقل الجمع ثلاثة.
فحينئذٍ إذا اتفق اثنان لا يحصل الإجماع، يلزم منه ذلك، فلو قال:"مجتهدِ الأمة"بالإفراد، فيقال حينئذٍ مفرد مضاف، فيعم الإثنين وما زاد فهو أولى، فدخل الاثنان فصاعدًا لكان أولى، فقوله: (مُجْتَهِدِي) هذا فيه شيء من الاعتراض.
ولا يلزم عليه أن يكون قول الواحد المجتهد إذا لم يكن في العصر سواه إجماعًا، -لو قال: مجتهد الأمة بالإفراد-؛ لخروجه بلفظ الاتفاق، فإن الاتفاق إنما يكون من اثنين فصاعدًا.
إذًا قوله: (مُجْتَهِدِي الأُمَّةِ) هكذا بالجمع، يرِد عليه أنه لا يصدق الإجماع إلا إذا حصل من ثلاثة فما زاد؛ لأن أقل الجمع ثلاثة، فلو عبّر كما عبّر صاحب الجمع:"مجتهد الأمة"بالإفراد، لكان أولى؛ لأنه مفردٌ مضاف فيعم، وأقل العام اثنان فصاعدًا.
وحينئذٍ إذا كان من واحد نقول: هذا لا يسمى إجماعًا. على المشهور عند الأصوليين، وإلا المصنف يرى أنه إجماع، حينئذٍ لا اعتراض، لكن على ما اشتهر عند الأصوليين، فحينئذٍ نقول: الاتفاق لا يحصل إلا بين اثنين فما زاد، فخرج الواحد.