فهرس الكتاب

الصفحة 718 من 1890

لأن العصمة من الخطأ إنما تنسب للأمة كلها، ولا مدخل للمكان في الإجماع؛ إذ لا أثر لفضيلته في عصمة أهله .. بدليل مكة، لأنه يرد: إذا كان أهل المدينة إجماعهم لأجل الفضيلة للمدينة كذلك أهل مكة، ويأتي أهل الشام ويأتي غيرهم، فحينئذٍ تتوزع المسألة، كلما فضل مكان ادعى أهله بأن إجماعهم يعتبر حجة.

وخالف في ذلك الإمام مالك رحمه الله تعالى على المشهور من مذهبه: قال المحاسبي: قال مالك: إذا كان الأمر بالمدينة ظاهرًا معمولًا به لم أرَ لأحد خلافه.

وهذا يكاد أن يكون محل اتفاق، يعني: الأمور المنقولة .. الشعائر الظاهرة، هذه مجمع عليها؛ لأن المدينة كما هو معلوم موطن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان كذلك فحينئذٍ ما كان مشهورًا متعارفًا عليه، وما كان من قبيل النقل كالُمد والصاع، وكذلك الأذان والإقامة ونحوها، قال: هذه شعائر ظاهرة، وليست هي من قبيل الاجتهاد.

يعني: قبيل الاجتهاد .. النظر في الأدلة، فحينئذٍ يعتبر هذا إجماعًا. وهذا لا إشكال فيه، هذا مُسلَّم، بل لا يكاد أن تخرج المذاهب الأربعة عن هذا القول كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. قال: احتُّج له بأن القول الباطل خبَث، والخبث منفي عن المدينة بقول الصادق في حديث جابر: متفق عليه، وإذا انتفى الباطل بقي الحق فوجب اتباعه. هكذا قيل.

فقال بعض أصحابه بظاهره، وكذلك أطلق كثير من العلماء القول به عن مالك، لكن قال بعضهم: ذلك في زمن الصحابة والتابعين، يعني قول مالك ليس مطلقًا في كل زمن وإنما هو في عصر الصحابة والتابعين، وعليه جرى ابن الحاجب وغيره.

وقال بعضهم: في زمن الصحابة والتابعين ومن يليهم. ذكره المجد.

وقال الباجي: أراد فيما طريقه النقل المستفيض كالصاع والمُد، وعدم الزكاة في الخضروات مما تقتضي العادة أن يكون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يُغيَّر عما كان عليه، وهذا المحمل هو الصحيح لمذهب مالك رحمه الله تعالى كما قال شيخ الإسلام في غير موضع.

فأما مسائل الاجتهاد فهو وغيره سواء. يعني: مسائل الاجتهاد هذا لا تختص بأهل المدينة، وأما المنقولات كالصاع والمد ونحوها فهذه لأهل المدينة ميزة، فما اتفقوا عليه يعتبر حجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في المدينة.

وقال ابن عقيل: عندي أن إجماعهم حجة فيما طريقه النقل، وإنما لا يكون حجة في باب الاجتهاد. وهذا هو الصحيح.

قال ابن دقيق العيد: الذي نقطع به ولا يصح سواه: أن علمهم إنما يقوى فيما طريقه النقل -يعني: وافق على ما ذُكر-، وما تقتضي العادة؛ فإنه لو تغير لعُلم التغيير وزمانه، وأما مسائل الاجتهاد فلا.

إذًا: ما نُسب لمالك رحمه الله تعالى ليس على إطلاقه، يعني: في مسائل المنقولات والاجتهاد، وإنما أراد به المنقولات، وإنما أراد به كذلك زمن الصحابة والتابعين؛ إذ هو الزمن الذي حُفظ فيه تلك الأمور، ولم تتغير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت