إذًا: لا يحصل الإجماع إلا وهو مستند على دليل شرعي.
قال هنا: (وَلَا عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ) .
يعني: لا ينعقد الإجماع (عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ) ، وأطلق الدليل المراد به الدليل الشرعي، فلا يشمل العقلي {عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ؛ لأَنَّ الإِجْمَاعَ لا يَكُونُ إلاَّ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ} كما هو معلوم {وَالْمُجْتَهِدُ لا يَقُولُ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ} هذا الأصل.
المجتهد الذي نصب نفسه للاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية الأصل فيه أنه لا يقول إلا عن دليل شرعي؛ لأن الاستنباط إنما يكون من ماذا؟ أليس أصول الفقه هو قواعد استنباطية؟ استنباط من الكتاب من السنة، فحينئذٍ المستنبط منه محصور في الوحي فحسب، وما عداه فليس من الدين في شيء.
فالأصل في المجتهد أنه لا يقول إلا عن دليل شرعي .. يعني: عن كتاب أو سنة.
{فَإِنَّ الْقَوْلَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ خَطَأٌ} ضلال.
{وَأَيْضًا فَكَانَ يَقْتَضِي إثْبَاتَ شَرْعٍ مُسْتَأْنَفٍ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} لأن الإجماع لا ينعقد إلا بعد النبي صلى الله عليه وسلم {وَهُوَ بَاطِلٌ؛ وَلأَنَّهُ مُحَالٌ عَادَةً، فَكَالْوَاحِدِ مِنْ الأُمَّةِ} .
إذًا: إذا تقرر ذلك فحينئذٍ لا يكون الإجماع إلا وهو مستند على كتاب وسنة، وسيأتي أنه قد يكون عن اجتهاد، وهذا الاجتهاد مستند للكتاب والسنة، يعني إما أن يستند إلى كتاب وسنة مباشرة، أو يستند إلى ما استند إلى كتاب وسنة؛ لأن الصحيح أنه قد يكون الإجماع منعقدًا على مسألة اجتهادية، حصل الاجتهاد فيها، وهذا لا شك أنه باعتبار واسطة القواعد.
أو عن قياس، والقياس وإن لم يكن دليلًا مستقلًا إلا أنه متفرع عن الكتاب والسنة.
{وَالدَّلِيلُ} الذي يعتمد في الإجماع {إمَّا الْكِتَابُ} القرآن.
{كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى حَدِّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَغَيْرِهِمَا} حد الزنا وله دليله، وحد السرقة وله دليله. إذًا: الدليل منقول.
وَإِمَّا السُّنَّةُ، كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَوْرِيثِ كُلٍّ مِنْ الْجَدَّاتِ السُّدُسَ وَنَحْوِهِ. وَيَأْتِي الْقِيَاسُ.
وَخَالَفَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ.
إذًا: إما الكتاب، وإما السنة، وإما القياس.
وهل يأتي الإجماع مستند إلى الإجماع؟ لأنه ذكر ثلاثة أشياء: الكتاب، والسنة، والقياس. ومر معنا الأدلة المتفق عليها أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. وسكت عن الإجماع؛ لأن الإجماع لا يكون عن إجماع .. الإجماع لا يعتمد على إجماع.
لأنه إذا سُبق بقول متفق عليه ووافقهم الإجماع الثاني، الثاني لا يكون إجماعًا؛ لأنه مسبوق بإجماع، وإن خالفوا فالثاني باطل.
إذًا: لا يستند الإجماع على إجماع، ولذلك إذا انعقد الإجماع الأول لا يصح أن ينعقد إجماع ثانٍ البتة، إن كان موافقًا فهو تحصيل حاصل، وإن كان مخالفًا فهو باطل.
إذًا: (وَلَا عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ) فلا يصح حينئذٍ أن يكون مستند الإجماع إلا عن دليل.
فإذا النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول ما يقوله إلا عن وحيٍ، فالأمة أولى ألا يقولوا ما يقولونه إلا عن دليل.