فهرس الكتاب

الصفحة 756 من 1890

وأما أن تجهل الحكم الشرعي ويتفقون على عدم العلم به مطلقًا. نقول: هذا لا يمكن البتة.

ولما فرغ من الأبحاث المختصة بكل واحد من الكتاب، والسنة، والإجماع -الأدلة الثلاثة الماضية- شرع المصنف في الأبحاث المشتركة بين هذه الثلاثة.

فقال: (فَصْلٌ: يَشْتَرِكُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ فِي سَنَدٍ، وَيُسَمَّى إِسْنَادًا) .

يعني: سيتحدث عن طريق ثبوت كل من هذه الثلاثة.

{اعْلَمْ أَنَّ الْكَلامَ فِي الشَّيْءِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ} لأن الكلام في الدلالة فرع الثبوت للدليل، أثبِت أولًا الدليل ثم بعد ذلك تُثبت الدلالة، وأما البحث في دلالة الألفاظ دون أن يُعلم أن الحكم ثابت على أصله. نقول: هذا فيه خلل.

فأولًا: يُثبَتُ النص، ثم بعد ذلك يُنظر في دلالته.

{أَنَّ الْكَلامَ فِي الشَّيْءِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، ثُمَّ يَتْلُوهُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ دَلالَةُ الأَلْفَاظِ} .

لأن دلالة الألفاظ إنما تكون فرعًا للأصل.

{لأَنَّهُ بَعْدَ الصِّحَّةِ يَتَوَجَّهُ النَّظَرُ إِلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الثَّابِتُ، ثُمَّ يَتْلُوهُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ اسْتِمْرَارُ الْحُكْمِ وَبَقَاؤُهُ} هل هو منسوخٌ أم لا؟ فيُنظر في الأصل، أولًا: إثباته، ثم في: دلالته على الحكم الشرعي، ثم: الحكم الشرعي قد يستمر لا يُنسخ وقد يُنسخ.

إذًا: النظر في دلالة الألفاظ، حينئذٍ يُنتج الحكم الشرعي، ثم بعد ذلك هل هو مستمر أم لا؛ لأن الأحكام الشرعية قد تُنسخ.

{ثُمَّ يَتْلُوهُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ اسْتِمْرَارُ الْحُكْمِ وَبَقَاؤُهُ بِأَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ، ثُمَّ يَتْلُوهُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ} الرابع وَهُوَ الْقِيَاسُ، مِنْ بَيَانِ أَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ وَأَحْكَامِهِ؛ لأَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الثَّلاثَةِ الأُوَلِ.

وَقَوْلُهُ: يَشْتَرِكُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ فِي سَنَدٍ. إشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ صِحَّةُ وُصُولِهَا إلَيْنَا لاَ ثُبُوتُهَا فِي نَفْسِهَا وإنما بحث ذلك في أصول الدين. هل الكتاب ثابت في نفسه أم لا؟ والسنة ثابتة في نفسها أم لا؟ وكذلك الإجماع.

وإنما البحث هنا في طريق الوصول؛ لأن البحث في الكتاب هل هو ثابت في نفسه أم لا؟ ثم بحثٌ آخر وهو وصوله إلينا، ومراد المصنف هو الثاني.

ولذلك قال: {إِشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ صِحَّةُ وُصُولِهَا إلَيْنَا لاَ ثُبُوتُهَا فِي نَفْسِهَا. وَلاَ كَوْنُهَا حَقًّا} .

ليس المراد أنه لا يُبحث في هذا وإنما يبحثون، لكنه في أصول الدين، ولا يتعلق به علم أصول الفقه.

قال في شرح التحرير: والمراد هنا: ما يتوقف عليه الاستدلال بالأدلة وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. والذي تثبت به الثلاثة الأول السند.

ولا شك أن الطريق إلى الشيء مقدم عليه طبعًا، وقُدِّمَ عليه وضعًا.

ولذلك قال: (فِي سَنَدٍ، وَيُسَمَّى إِسْنَادًا) .

يعني: إذا عُلم ذلك فالسند الذي هو إخبار عن طريق المتن، واشترك فيه الكتاب والسنة والإجماع. فالسند ويقال له أيضًا الإسناد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت