حينئذٍ قال: أنا موجود. نقول: هذا خبر، في ضمنه المعنى الكلي؛ لأن الإنسان يوجد معناه في ضمن زيد .. الإنسان هذا معنى كلي، يوجد في ضمن جزئه وهو زيد، كذلك الخبر معنى كلي يوجد في ضمن جزئه وهو: أنا موجود.
وأنا موجود ضروري، إذًا: الخبر يكون ضروريًا.
قال: {أَيْ يَعْلَمُ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَنَا مَوْجُودٌ مِنْ حَيْثُ وُقُوعُ النِّسْبَةِ فِيهِ عَلَى وَجْهٍ مُحْتَمِلٍ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ, وَهُوَ خَبَرٌ خَاصٌّ}
يعني: أنا موجود {فَمُطْلَقُ الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ جُزْءُ هَذَا الْخَبَرِ الْخَاصِّ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا} يعني: استدلوا بالجزئي على الكلي، لكن يقال بأنه ليس كل خبر يكون ضروريًا، أنا موجود نعم، لكن أكثر الأخبار لا تكون ضرورية.
فحينئذٍ يكون الأجزاء أو الجزئيات استدلوا بها على الكليات في كونها ليست ضرورية، على كلٍ: الصواب أنه يحد على ما مضى.
قال: (وَيُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى دَلَالَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ وَإِشَارَةٍ حَالِيَّةٍ) .
يعني: قد يستعمل لفظ الخبر لا في الكلام، الأصل فيه أنه وصف للكلام .. اللفظ المفيد، وهو نوع من أنواع الكلام، لكن قد يُستعمل ويُطلق لفظ الخبر مجازًا على ما ليس بكلام، كل ما أفاد يسمى خبرًا. لو قال له: هل أنت موجود؟ قال:؟؟؟ أفاد أو لا؟ أفاد، يسمى خبرًا، يقول: أخبرني بوجوده. لم ينطق وإنما أشار برأسه.
وحينئذٍ نقول: الإشارة بالرأس أفادت، وإذا أفادت سُميت خبرًا لكنه مجازًا.
(وَيُطْلَقُ مَجَازًا) يعني: {وَيُطْلَقُ الْخَبَرُ مَجَازًا} على غير القول {أَيْ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ (عَلَى دَلَالَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ وَإِشَارَةٍ حَالِيَّةٍ) كَقَوْلِهِمْ: عَيْنَاكِ تُخْبِرُنِي بِكَذَا} هذه معنوية {وَالْغُرَابُ يُخْبِرُ بِكَذَا} هذه حالية.
(وَحَقِيقَةً عَلَى الصِّيغَةِ) يعني: على القول.
فزيدٌ قائمٌ وقام زيدٌ هذا خبر، ويطلق عليه أنه خبر حقيقة لكن قال: (حَقِيقَةً عَلَى الصِّيغَةِ) مراده: المركب الذي هو الكلام، ولا إشكال فيه إذا قيل بأنه صيغة، لكن الصيغة هنا تستعمل باللفظ والمعنى معًا، وليس المراد الصيغة التي هي اللفظ وقد ينفك عن المعنى لا، كما يقال في شأن الأمر: هل له صيغة أم لا؟ والعام هل له صيغة أو لا؟
هذا فرع إثبات الكلام النفسي.
إذا قيل: هل له صيغة أم لا؟ أو قد يُجعل الحكم معلقًا على الصيغة. فانتبه.
قد تكون العبارة صحيحة إذا كان الناطق بها سلفي المعتقد في باب الكلام ولا إشكال فيه، يقال: صيغة .. هيئة .. دلالة. لا إشكال فيه؛ لأنه يريد اللفظ والمعنى معًا، لكن أكثر استعمال الأشاعرة أرادوا به: الأصل فيه المعنى الذي هو الكلام النفسي، ثم يختلفون: هل له صيغة أم لا؟ بمعنى أنه يمكن أن يكون كلامًا نفسيًا تامًا وليست له صيغة تدل عليه. وهذا باطل مخالف للأصل. وحينئذٍ يرد السؤال هنا.
(وَحَقِيقَةً عَلَى الصِّيغَةِ) يعني: يُطْلَقُ الْخَبَرُ حَقِيقَةً لا مجازًا عَلَى الصِّيغَةِ.