ونوقش هذا الاستدلال بأنَّ الحديث ضعفه بعضُ أهل العلم، ولو صَحَّ فإنَّه يُحمل على أن هذه الأصناف الأربعة هي الدَّارجة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوتًا للناس يأكلون منه، وليس المقصود الاقتصار عليها، وهذا هو قول جمهور العُلماء.
إذًا القول الثاني: إنَّ الزكاةَ تجب في غير الأربعة المذكورة في الحديث السابق، وهذا قول جمهور العلماء، فزادوا عليها أصنافًا أخرى، فنظروا إلى الصفات التي تجتمع في الأصناف السابقة وهي الاقتيات؛ أي: أن يكونَ الصنف قوتًا يأكله الناس، والكيل؛ أي: أنْ يكال، والادِّخار؛ أي: يمكن أن يدَّخره الفقير؛ أي: يُحفظ بطبيعته بلا وسيلة حافظة له كالثلاجات ونحوها.
مثلًا: الأرز تتوفر فيه الصفات السابقة، فهو قوت للناس، ويكال ويُمكن أن يدَّخره الفقير.
اختلف جمهور العلماء: أيُّ الصفات المؤثرة التي تجعل هذا الصنف من الحبوب والثِّمار فيه الزكاة؟ على أقوال أظهرها:
قول المذهب: وهو أنَّ الذي تجب فيه الزكاة هو ما جمع صِفَتين أو عِلَّتين، وهما الكيل والادِّخار.
ويدل على ذلك: أمَّا الكيل فيدل عليه حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - مرفوعًا: (( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) )؛ متفق عليه.
ووجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل النِّصاب خمسة أوسق، والوسق معيار كيلي كما سيأتي، فدل هذا على أن الكيلَ عِلَّة معتد بها.
وأما الادِّخار، فلأن النعمة به أبلغ وأكثر مواساة لمستحقي الزكاة، بخلاف الأشياء التي لا تُدَّخر، فهي تفسد إذا تأخرت، فمنافعها مؤقتة، وأيضًا لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يأخذ الزكاة في الخضروات؛ لأنَّها لا تُدَّخر، واعتبار الادِّخار قال به جمهور العلماء.
وأما الاقتيات، فلا يشترط، ومما يدل على عدم اشتراطه حديث أبي سعيد المتقدم، فقد جاء في رواية مسلم: (( ليس فيما دون خمسة أوساق من حب ولا تمر صدقة ) )؛ ففي قوله: (( من حب ) )ظاهره يشمل جميع الحبوب، ومن الحبوب أصنافٌ كثيرة ليست قوتًا للناس.