ولأنَّ الأصل في الحبوب والثِّمار وجوبُ العُشر، وإنَّما خُفِّف إلى النصف؛ لأنَّه يُسقَى بمؤونة.
هذا ملخَّص المقدار الواجب إخراجُه إذا بلغ نصابًا، وتقدَّم أنَّ الزكاة لا تجب في الثِّمار إلاَّ إذا بدا صلاحُها، وفي الحبوب إذا اشتدَّتْ بأن قويت وتصلَّبت.
البيدر: بفتح الباء وإسكان الياء، وهو موضعٌ تُجمَّع فيه الثمار؛ لتشميسها وتيبيسها، وتجمع فيه الحبوب لتداس وتُصفَّى، وهو مكان فسيح، ويُسمَّى البيدر عند أهل الشام، ويسمَّى الجرين عندَ أهل مصر والعراق.
فالمذهب: يفرقون بين وقتِ وجوب الزكاة، وبين وقت استقرار الزَّكاة، فوقت الوجوب كما سبق إذا بدَا صلاحُ الحبوب والثِّمار، وهو في زُروعِه وأشجاره، ووقت استقرار الوجوب إذا قُطِف وحُصد، وعادة أهل الزِّراعة أن يضعوه في البيدر أوَّلَ ما يقطفونه ويحصدونه، فالمذهب يقولون: إنَّه إذا وُضِع في البيدر، ثم تَلِف، فإنَّ على مالكها الضمانَ، بأن يُخرِج الزَّكاة، سواء كان متعديًا ومفرطًا، أو لم يكن كذلك، فعليه الضمان مطلقًا.
وعلَّلوا ذلك: بأنَّه استقرَّ في ذمته أول ما وُضِع في البيدر، فصارت كالدَّين عليه واللهُ - عزَّ وجلَّ - يقول {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] .
-وهذه المسألة تهمُّ أصحاب المزارع، وهي: متى يضمن إذا تلفت الحبوب والثمار ومتى لا يضمن؟
والجواب: أنَّ هذه المسألة لها ثلاثُ حالات:
الأولى: أن يكون التَّلَف قبل وجوب الزكاة؛ أي: قبل اشتداد الحَبِّ وصلاح الثمرة، فلا شيءَ على المالك.
مثال ذلك: رجل عنده مزرعةٌ، وتعمَّد حصْدَ الزَّرع قبلَ اشتداده، أو قطعَ الثمر قبلَ بدوِّ صلاحه، أو أحرق مزرعتَه لشيء أراده، فهذا لا ضمانَ عليه بلا إشكال؛ لأنَّه لم يأتِ وقت الوجوب، بشرط ألاَّ يكون فَعَل ذلك فِرارًا من الزكاة، فإنَّه يضمن وتقدَّمت القاعدة"أنَّ التحايل في إسقاط الواجب لا يُسقِطه".