الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ [يوسف: 46] .
نجد أن الذي نجا وتذكر بعد مدة قد دخل على يوسف - عليه السلام -، ووصفه بالمبالغة في الصدق بقوله: {أَيُّهَا الصِّدِّيقُ} حسبما شاهده وذاق أحواله وجربها؛ لكونه بصدد اغتنام معارفه واقتباس أنواره؛ فهو من باب براعة الاستهلال، وأحسن الابتداءات ما ناسب المقصود، ومثاله قول أبي تمام [1] يهنئ
المعتصم بالله [2] بفتح عمورية [3] ، وكان أهل التنجيم زعموا أنها لا تفتح في ذلك الوقت:
(1) أَبو تَمَّام: جبيب بن أوس بن الحارث الطائي، أبو تمام: الشاعر، الأديب. أحد أمراء البيان، ولد في سورية سنة 188 هـ، ورحل إلى مصر، واستقدمه المعتصم إلى بغداد، فأجازه وقدمه على شعراء وقته فأقام في العراق، كان فصيحا، حلو الكلام، في شعره قوة وجزالة، من تصانيفه: فحول الشعراء، وديوان الحماسة، ونقائض جرير والأخطل، وديوان شعره، وغير ذلك، مات سنة: 231 هـ. ينظر: ابن المعتز: عبد الله بن محمد ابن المعتز العباسي (المتوفى: 296 هـ) ، طبقات الشعراء، تحقيق: عبد الستار أحمد فراج، الناشر: دار المعارف - القاهرة، الطبعة: الثالثة (1/ 283) ، وابن عساكر: تاريخ دمشق (12/ 16) ، وابن خلكان: وفيات الأعيان (2/ 11) .
(2) المُعْتَصِم بالله: محمد بن هارون الرشيد بن المهدي، ابن المنصور، أبو إسحاق، المعتصم باللَّه العباسي، خليفة من أعاظم خلفاء الدولة العباسية، بويع بالخلافة سنة 218 هـ يوم وفاة أخيه المأمون، وكان قوي الساعد، يكسر زند الرجل بين إصبعيه، ولا تعمل في جسمه الأسنان، وكره التعليم في صغره، فنشأ ضعيف القراءة يكاد يكون أمّيا، وهو فاتح عمّورية من بلاد الروم الشرقية، وباني مدينة سامرا سنة: 222 هـ حين ضاقت بغداد بجنده، وكان لين العريكة رضيّ الخلق، اتسع ملكه جدا، توفي سنة: 227 هـ. انظر: السيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911 هـ) ، تاريخ الخلفاء، تحقيق: حمدي الدمرداش، الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز، الطبعة الأولى: 1425 هـ (1/ 243) ، وابن قتيبة، المعارف (1/ 30) ، والخطيب البغدادي، تاريخ بغداد (4/ 112) .
(3) عَمّورِية: بفتح أوله، وتشديد ثانيه: بلد في بلاد الروم افتتحها المعتصم في سنة 223 هـ، وفتح أنقرة بسبب أسر العلوية، في قصة طويلة، وكانت من أعظم فتوح الإسلام، وعمّورية أيضا: بليدة على شاطئ العاصي بين فامية وشيزر فيها آثار خراب ولها دخل وافر ولها رحى تغلّ مالا. انظر: الحموي: فتوح البلدان (4/ 158) .