ولم يستطع أن يوجه اللوم إلى زوجته، أو يسيطر عليها، فكان الحل ظالمًا، فحينئذ أمر بسجن هذا الفتى البريء الذي ما عرفت الخيانة سبيلًا للوصول إليه قط، والذي يقطر براءة وطهرًا وعفافًا، إيهاما منهم أنه راودها عن نفسها، ومن أجل ذلك قاموا بسجنه.
ودخل يوسف - عليه السلام - حينئذ في حياة جديدة، بعيدة عن كل مظاهر الزينة وبهجتها، وإذا كان يوسف - عليه السلام - قد ابتعد عن القصور وما بها من نعم، بعد أن ذاق البلاء المتمثل في كيد امرأة العزيز والنسوة، فقد حل به نوع آخر من أنواع البلاء، فيه إذلال للنفس، وحبس لحرية الإنسان وقهرها في حيز ضيق من المكان، لا يقتات إلا على الدون من الطعام، وبصحبة الخارجين ومعتادي الإجرام يعاشرهم، ويتصل بنفوسهم.
ويمكث نبي الله يوسف - صلى الله عليه وسلم - في هذا السجن المظلم بضع سنين، لا من أجل جريمة ارتكبها، ولكن لطهارة ثوبه وعفته، ليس لديه عمل إلاّ صقل مواهبه وبناء شخصيته، ومحاولة هداية السجناء، وعيادة مرضاهم، والدعوة إلى الله الواحد القهار، مثله في ذلك كمثل آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم الصلاة والسلام، لم يعرف الهزيمة، ولم يكتنفه القنوط واليأس، قال تعالى: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] .
فها هو يوسف - عليه السلام - يسجن ظلما وقهرًا، ولكنه لم ينس القيام بواجب الدعوة إلى الله - عز وجل -، وبذل الإحسان لكل من عاشرهم من السجناء وغيرهم.