فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 399

وقد يميل قلب الأبوين إلى أحد الأبناء أكثر من إخوته، وذلك لصلاحه، أو لصغر سنه، أو لموهبة وقدرة قد اختصه الله - عز وجل - بها - كما ذكرت آنفًا - أو لكونه مريضًا خاملًا من بين إخوته، فلا لوم على الوالدين حينئذ في تفضيلهما بعض الأولاد على بعض في المحبة لمثل ذلك، ولا يجوز أن يكون الميل والتفضيل في المعاملة، وقد صرح كثير من العلماء بأن المحبة ليست مما يدخل تحت وسع البشر، ومما لا سبيل للعباد إلى خلافه أو دفعه عنه؛ ولأن الإنسان لا يملك قلبه، وإنما يملك تصرفه وفعله.

فعن عائشة رضي الله عنها، قالت:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم فيعدل فيقول: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» ، يَعْنِي الْقَلْبَ" [1] .

وكان يوسف - عليه السلام - قد اصطفاه الله - عز وجل - وحباه بنعمة عظيمة، ألا وهي نعمة حب الوالدين، فقد كان أحب إخوته إلى قلب أبيه، ولذلك كان يؤثره برعاية خاصة، هو وبنيامين؛ لصغرهما، وموت أمهما [2] ، وحب الصغير أمر بدهي متمكن في فطرة البشر،

(1) أخرجه أبو داود في سننه برقم (2134) ، في (كتاب النكاح) ، باب في القَسم بين النساء (3/ 470) . وقال ابن الملقن في (البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير 7/ 481) :"هذا الحديث ذكره الشافعي في «المختصر» بلاغا، ورواه أحمد، والدارمي في «مسنديهما» ، وأصحاب «السنن» الأربعة، والحاكم، وابن حبان، من حديث عائشة - رضي الله عنها، وهو حديث صحيح".

(2) اختلف العلماء في موت أم يوسف - عليه السلام -، على قولين: القول الأول: أن أمه ماتت في نفاس بنيامين. وهو قول: ابن عباس، والسدي، وزيد بن أسلم، وسفيان الثوري، وابن منبه، ذكره عنهم الطبري في (جامع البيان 16/ 267) ، والسمرقندي في (بحر العلوم 2/ 210) ، وبه قال كل من: السجستاني في (غريب القرآن 1/ 49) ، والثعلبي في (الكشف والبيان 5/ 259) ، والزمخشري في (الكشاف 2/ 505) ، والرازي في (مفاتيح الغيب 18/ 509) ، والفيروزآبادى في (بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز 2/ 114) ، والزحيلي في (التفسير الوسيط 2/ 1094) . وهو قول الجمهور، ذكره الكرماني في (غرائب التفسير وعجائب التأويل 1/ 552) ، والبغوي في (معالم التنزيل 2/ 515) ، وابن الجوزي في (زاد المسير 2/ 473) ، وابن عاشور في (التحرير والتنوير(13/ 55) ، والقرطبي في (الجامع لأحكام القرآن 9/ 264) .

القول الثاني: أن أمه كانت على قيد الحياة، واستدل أصحابه بقوله تعالى في نهاية القصة: {آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} ، وقوله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} وبه قال: قتادة، والحسن البصري، وابن إسحاق، ذكره عنهم السمعاني في (تفسيره 3/ 66) ، والسيوطي في (الدر المنثور 4/ 587) ، والشوكاني في (فتح القدير 3/ 68) ، وإليه ذهب الطبري في (جامع البيان 16/ 267) ، وابن عطية في (المحرر الوجيز 3/ 281) ، وابن كثير في (التفسير 4/ 352) .

والقول الأول هو الراجح والصواب، وإن كان فيه نوع من البعد، إلا أن تخطئة العلماء الثقات وأهل البيان أبعد، ولأن اطلاق الأبوين على الأب وزوج الأب، وهي خالة يوسف - عليه السلام - يجوز على طريقة التغليب والتنزيل، حيث تولت تربيته، والقيام على شئونه، وبه قال جمهور المفسرين. والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت