من الأمور الطبيعية والبِدهية أن يكون حب الوالد لأولاده، وما يتضمنه من عطف وحنان، شعبة من حب الله - عز وجل -؛ لأنه - سبحانه وتعالى - هو الذي أودع العطف والرحمة في قلب الوالدين تجاه الأولاد، وساقه إليهما بغريزة الفطرة، وحكم الشريعة، لتربيتهم والقيام على شئونهم، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا، خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ» [1] .
وحب الولد لأبويه وإن كان حبًا فطريًا غريزيًا هو الآخر، إلا أن حب الوالد للولد أحر وأقوى، وأنمى وأبقى من عكسه، وهو أشد شعورًا، وأقوى غريزة؛ وذلك لأن ولده بضعة منه؛ ولأن وجوده مستمدًا من وجوده، فهو نسخة ثانية منه، يرجو لها من البقاء ما لا يرجى للنسخة الأولى، ويحرص على بقائه كما يحرص على نفسه أو أشد، ويحرم نفسه من كثير من الطيبات، إيثارًا له بها في حاضر أمره ومستقبله، ويكابد الأهوال، ويركب الصعاب في سبيل السعي والادخار له.
ومن أجل ذلك لم يأمر الله - سبحانه وتعالى - الآباء بالعطف على الأبناء لكونه أمرًا فطريًا، بل أمر الأبناء بالبر والإحسان إلى الوالدين، ولأهميتة العظمى فقد قرن الله - سبحانه وتعالى - بين عبادته
(1) أخرجه البخاري برقم (6000) في (كتاب الأدب) باب جعل الله الرحمة في مئة جزء (8/ 8) ، وأخرجه مسلم برقم (2752) في (التوبة) باب سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه، بلفظ:"ترفع الدابة" (4/ 2108) .