قال ابن القيم:"الفرق بين العفو والذل، أن العفو إسقاط حقك جودًا وكرمًا وإحسانًا مع قدرتك على الانتقام، فتؤثر الترك رغبة في الإحسان، ومكارم الأخلاق، بخلاف الذل فإن صاحبه يترك الانتقام عجزًا، وخوفًا، ومهانة نفس، فهذا مذموم غير محمود، ولعل المنتقم بالحق أحسن حالًا منه، قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى:39] ، فمدحهم بقوتهم على الانتصار لنفوسهم وتقاضيهم منها، ذلك حتى إذا قدروا على من بغى عليهم وتمكنوا من استيفاء مالهم عليه، ندبهم إلى الخُلق الشريف من العفو والصفح، قال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى:40] ، فذكر المقامات الثلاثة، العدل وأباحه، والفضل وندب إليه، والظلم وحرمه" [1] .
وكظم الغيظ وترك الإنتقام والتشفي، درجة سامية، ولكن الدرجة الأعلى هي العفو عند المقدرة، وتلك درجة الإحسان.
وقد مدح الله - عز وجل - يوسف - صلى الله عليه وسلم - ووصفه بالإحسان، قال تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:22] ، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:56] .
(1) ابن القيم: الروح في الكلام على أرواح الأموات والأحياء بالدلائل من الكتاب والسنة، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت (1/ 242) .