وكلمة {بَعْدِ} دلت على أن ذلك أمر حدث وانقضى أثره، فألم به إجمالًا واقتصارًا على شكر النعمة، وإعراضًا عن التذكير بتلك الحوادث المكدرة للصلة بينه وبين إخوته، فمر بها مر الكرام، وباعدها عنهم بقدر الإمكان، إذ ناطها بنزغ الشيطان، وابتدأ بنفسه - صلى الله عليه وسلم - وكأنه هو الذي بدأهم بالعداوة.
ومن هذا الأدب الرفيع قول الله - عز وجل - لنبينا - صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سبأ:24 - 25] .
فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يتحدث عن نفسه والمؤمنين يقول: {أَجْرَمْنَا} ، وحين يتحدث عن المشركين لا ينسب إليهم الإجرام، بل يقول: {وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} .
وهذا من التواضع والأدب الجم، الذي أدب الله - عز وجل - به أنبياءه ورسله صلوات الله وسلامه عليهم، وهذا الأسلوب المهذب أدعى في استمالة القوم، وأبلغ في الإنصاف، وأبعد من الجدل والاعتساف، حيث أسند فيه الإجرام وإن أريد به الزَلة، وترك الأولى إلى أنفسهم ومطلق العمل إلى المخاطبين مع أن أعمالهم أكبر الكبائر.