في مجلسه إذا قام، ثم يقول: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثًا منه، فهلموا فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وأسفندباذ، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثًا مني" [1] ."
وهذا القول الذي ذكره محمد بن إسحاق في مناسبة نزول سورة يوسف، يرجحه العقل وتميل إليه
النفس؛ ذلك لقول الحق - سبحانه وتعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} فمجيء كلمة (أحسن) بصيغة أفعل التفضيل، توحي أن هناك من قال بأن حديثه أفضل من حديث القرآن، وقصصه أحسن من قصص محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكان هذا الشقي - النضر بن الحارث - يقص على أهل مكة من الخرافات والأساطير التي ما سمعوا عنها من قبل، فكانت عامل جذب للعوام من الناس إليه، ومحاولة منه لصرف الناس عن دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وربما هذا اللون من الكيد والإيذاء قد مس قلبه الشريف، أو وَجَدَ في نفسه شيئا منه، ومن ثَمَّ جاءت هذه السورة على أسلوب استيعاب القصة الكاملة تحديًا لهم بالمعارضة، وكأن الله - عز وجل - يقول لرسوله - صلى الله عليه وسلم - إن كان هناك من يقول بأن قصصه حسن، فها نحن نقص عليك أحسن القصص الذي يشتمل على صلاح الدين والدنيا معًا.
(1) سيرة ابن إسحاق (1/ 201) ، وأخرجه ابن جرير في تفسيره (جامع البيان 19/ 238) عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنه -.