فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 292

فإن قيل: فهذا يوجب تأكد الحب بالجماع وقوته به، والواقع خلافه، فإن الجماع يطفئ نار المحبة ويبرد حرارتها ويسكن نفس المحب.

قيل: الناس مختلفون في هذا فمنهم من يكون بعد الجماع أقوى محبة وأمكن وأثبت مما قبله، ويكون بمنزلة من وصف له شئ ملائم فأحبه فلما ذاقه كان له أشد محبة وإليه أشد اشتياقًا، وقد ثبت في الصحيح عن النبى - في حديث عروج الملائكة إلى ربهم أنه سبحانه يسألهم عن عباده وهو أعلم بهم فيقولون:"إنهم يسبحونك ويحمدونك ويقدسونك؟، فيقول: وهل رأونى؟ فيقولون: لا؟ فيقول: فكيف لو رأونى؟! تقول الملائكة: لو رأوك لكانوا أشد تسبيحًا وتقديسًا وتمجيدًا، ثم يقولون: ويسألونك الجنة، فيقول؟ وهل رأوها؟ فيقولون: لا فيقول: فكيف لو رأوها؟ فتقول الملائكة: لو رأوها لكانوا أشد لها طالبًا"وذكر الحديث، ومعلوم أن محبة من ذاق الشيء الملائم وعدم صبره عنه أقوى من محبة من لم يذقه، بل نفسه مفطومة عنه، والمودة التي بين الزوجين والمحبة بعد الجماع أعظم من التي كانت قبله، والسبب الطبيعى أن شهوة القلب ممتزجة بلذة العين، فإذا رأت العين اشتهى القلب، فإذا باشر الجسمُ الجسمَ اجتمع شهوة القلب ولذة العين ولذة المباشرة، فإذا فارق هذه الحال كان نزاع نفسه إليها أشد وشوقه إليها أعظم، كما قيل:

وأكثر ما يكون الشوق يومًا ... إذا دنت الديارُ من الديارَ

ولذلك يتضاعف الألم والحسرة على من رأى محبوبه أو باشره ثم حيل بينه وبينه، فتضاعف ألمه وحسرته في مقابلة مضاعفة لذة من عاوده، وهذا في جانب المرأة أقوى، فإنها إذا ذاقت عسيلة الرجل ولا سيما أول عسيلة لم تكد تصبر عنه بعد ذلك، قال أيمن بن خريم:

يميت العتابُ خلاطَ النساء ... ويحى اجتناب الخلاط العتابا

وتزوج زهير بن مسكين الفهرى جارية ولم يكن عنده ما يرضيها به، فلما أمكنته من نفسها لم تر عنده ما ترضى به فذهبت ولم تعد، فقال في ذلك أشعارًا كثيرة منها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت