قالوا: وكانت الجاهلية الجهلاء في كفرهم لا يرجون ثوابًا ولا يخافون عقابًا، وكانوا يصونون العشق عن الجماع، كما ذكر أن أعرابيًا علق امرأة فكان يأتيها سنين وما جرى بينهما ريبة، قال: فرأيت ليلة بياض كفها في ليلة ظلماء فوضعت يدي على يدها، فقالت: مه، لا تفسد ما صلح، فإنه ما نكح حب إلا فسد، فأخذ ذلك المأمون فقال:
ما الحب إلا نظرة ... وغمز كفٍ وعضد
أو كتب فيها رقى ... أجل من نفث العقد
ما الحب إلا هكذا ... إن نكح الحب فسد
من كان هذا حبه ... فإنما يبغى الولد
وهوة آخرٌ امرأة فدام الحال بينهما في اجتماع وحديث ونظر، ثم إنه جامعها، فقطعت الوصل بينهما فقال:
لو لم أواقع دام لى وصلها ... فليتنى لا كنت واقعتها
وقيل لآخر شكا فراق محبوبة له:
أكثرت من وطئها والوطء مسأمة ... فارفق بنفسك إن الرفق محمود
قال الأصمعى: قلت لأعرابية ما تعدون العشق فيكم؟ قالت: العناق والضمة والغمزة والمحادثة، ثم قالت: يا حضرى: فكيف هو عندكم؟ قلت: يقعد بين شعبها الأربع ثم يجهدها، قالت: يا ابن أخى ما هذا عاشق هذا طالب ولد.
وسئل أعرابى عن ذلك فقال: مص الريق ولثم الشفة والأخذ من أطايب الحديث، فكيف هو فيكم أيها الحضرى؟ فقال: العفس الشديد والجمع بين الركبة والوريد، ورهز يوقظ النائم ويشفى القلب الهائم، فقال: بالله ما يفعل هذا العدو الشديد، فكيف الحبيب الودود.
والمقصود: أن هذه الفرقة رأت أن الجماع يفسد العشق، فغارت عليه مما يفسده وإن لم تتركه ديانة، ويحكى أن رجلًا عشق امرأة فقالت له يومًا: أنت صحيح الحب غير سقيمه، وكانوا يسمون الحب على الخنا الحب السقيم، فقال: نعم، فقالت: اذهب بنا إلى المنزل، فما هو إلا أن حصلت في منزله فلم يكن له همة غير جماعها، فقالت له وهو كذلك:
أسرفت في وطئنا والوطء مقطعة ... فارفق بنفسك إن الرفق محمود
فقال لها وهو على حاله:
لو لم أطأك لما دامت محبتنا ... لكن فعلى هذا فعل مجهود