ويوم الحديبية عزم خالد بن الوليد ـ وكان على رأس خيل قريش ـ أن يغير على المسلمين حال صلاتهم العصر، وتكلم هو وأصحابه بأن للمسلمين صلاةً (العصر) هي أحب إليهم من أبنائهم وأموالهم) [1] ، وتقول الروايات بأن جبريل نزل من السماء وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يفكر فيه خالد وأصحابه، فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه صلاة الخوف [2] ، فعلم خالد أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ممنوع، وحاول خالد أن يغدر بالمسلمين بغير هذه الوسيلة .. كان عازمًا على الحرب سالكًا أسبابها، وعباس العقَّاد لا يعرف هذا، بل يسند الفعل للنبي - صلى الله عليه وسلم - وكأنه - صلى الله عليه وسلم - من تلقاء نفسه عرف ما ينويه خالد وأصحابه، يقول العقاد على لسان خالد بن الوليد: (هممنا أن نغير عليه، ثم لم يعزم لنا، وكان فيه خيرة، فاطلع على ما في أنفسنا من الهجوم به، فصلى بأصحابه العصر صلاة الخوف) [3] . وقبل هذا النص بسطرين يقول: (وهمَّ خالد أن يغير عليه لولا نخوة من الفروسية أبت له العدوان على المسالم، وقمعت فيه طمع الرئيس الموتور) . وهذا تضارب؛ فلا ندري هل مُنع الرسول - صلى الله عليه وسلم - من خالد بخيريته التي علم بها كما يدعي فيما ينقله عن خالد؟! أم أن خالدًا كف شره بموجب حسن الخلق الذي يتمتع به كما يزعم العقاد؟!
ولو نقل الرواية التي نقلها ابن حجر في شرح حديث البخاري رقم 3817 وهي أشهر وأوضح وفيها أن جبريل هو الذي أخبر النبي لكان أولى به وأفضل.
وتعرض العقاد لإرسال النبي - صلى الله عليه وسلم - لخالد بن الوليد إلى سرية أكيدر صاحب دومة الجندل فقال: (ومن خبرة النبي عليه السلام بالقبائل وأحوالها والأمراء وعاداتهم أنه قال لخالد: ستجده يصيد البقر .. فكان ما قال) [4] .
وهو الوحي لا الخبرة .. ولكن العقاد لا يعرف أثرًا للوحي.
وتعرض العقاد لصلح الحديبية وما ترتب عليه من آثار عظمية؛ إذ كان فتحًا، ولم يتكلم بأن شيئًا من ذلك كان بالوحي .. يسند كل شيء لشخص النبي - صلى الله عليه وسلم - [5] .
(1) صلاة الخوف جاء ذكرها في أكثر من غزوة منها ذات الرقاع، ومنها غزوة لجهينة، ومنها يوم الحديبية. والروايات كثيرة في البخاري ومسلم وغيرهما.
(2) أحمد برقم 15986. وانظر: شرح ابن حجر العسقلاني لحديث البخاري رقم 3817، فقد جمع الروايات كلها التي في صلاة الخوف. وانظر: القرطبي والطبري وابن كثير في تفسير الآية 102 من سورة النساء.
(3) عبقرية خالد ص 38، وقبل هذا النص بسطرين يقول: (وهمَّ خالد أن يغير عليه لولا نخوة من الفروسية أبت له العدوان على المسالم، وقمعت فيه طمع الرئيس الموتور) .
(4) عبقرية خالد ص 75.
(5) عبقرية عمر ص 449.