الحقائقَ ويسندَ الفعالَ للعباقرةِ لا للوحي، لأنه ينكرُ الوحيَ، ويرى أن كلَّها من فعالِ العظماءِ العباقرةِ.
عينُه عوراءٌ، وعقلُه شرودٌ، ولسانُه كذوبٌ!!
ويفسرُ سيرةَ عمرَ وعدلَه مع خالدٍ حين قاسمَه مالَه، ومع عمرو بن العاص وهو يراجعه ويحاسبه على أنها ملكةٌ وأسلوبٌ في التفكيرِ عند عمر ـ رضي الله عنه ـ ثبت صحته بعد ذلك، وهو الإسلامُ، وهو العدلُ، وهي خصوصيةُ الشريعةِ الإسلاميةِ التي لا يفهمها العقادُ ولا يفهمها دهاةُ السياسةِ.
وإذا تعرَّضَ لإيمانِ عمرَ يقولُ: (له من قوته ومن إيمانه قدرتان) [1] . يحور ويدور ويروح ويجيء، يكثرُ الحركةَ ويكثرُ من البيانِ حولَ الحقيقةِ ليشغلَ عنها القراءَ أو ليمر عليها دون أن يصفها ليضيع الأمرُ على القراء؛ يقول أحيانًا: الإيمان هو الضابط، ولا يصف كنْه هذا الإيمان، ويذكر أن الدعوةَ المحمديةَ أثرت في عمر، ولا يتكلم عن مدى هذا التأثير؛ ونسبة الدعوة للنبي ? نوع من إنكار الوحي أيضًا، فكما مر بنا من قبلُ أنه يرى أن النبي ? عبقري تكلم من عند نفسه أو عقل عن الله بنفسه، ولا ترى ذكرًا لأمين الوحي جبريل.
والعقادُ في كل مرةٍ يرمي ببعض الجملِ التي تصلحُ للاعتذار عنه إن قطعتَها من النص، كقوله هنا ـ في عبقرية عمر (الإيمان لَيَقوى في نفوسٍ كثيرات ثم تختلف آياته وشواهده باختلاف تلك النفوس) [2] ، ولا تعرف عن أي إيمان يتكلم الرجل، ولكنك إن تتبعته وسألت عن التوحيد وعن الإيمان وجدت أن الرجل بعيد .. جدّ بعيد.
يقول: فُطر عمرُ على الجُنديةِ .. هي التي كانت تحركه، فهي مفتاح شخصيته، بزعمه، ثم ينثني إلى كرائم عمرَ كلِّها فلا يتركُ منها شاردةً ولا واردةً إلا وينسبها للجُندية، يقول ـ مما لم أذكره من قبل ـ يسوي الصفوفَ لأنه جنديٌ، والجنديٌ يحب النظامَ والتسويةَ!!
وهي سنَّةُ النبي - صلى الله عليه وسلم - تعلمها عمرُ من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يأمر بها قبل الصلاة، ويصر عليها، حتى إنه يسويهم بيده إن لم يكفِ القول بلسانه، كان يسوي الصفوفَ حتى كأنه
(1) عبقرية عمر ص 352.
(2) عبقرية عمر من الموسوعة ص 361.